الحلقة الأولى
الحوش حواشات قداما عقدة وراها عقيدات
الحوش حواشات قداما عقدة وراها عقيدات
بدأت الرحلة مباشرة بعد اعلان النتائج على الراديو مباشرة (أنا من الجيل الذى استمتع باعلان النتائج من المذياع نتائج الدخول الى المدارس الثانوية من المدارس الوسطى). جمع من الأهل على العناقريب المجلّدة بالحبال المصنوعة من لحا الدوم والبعض الآخر من جلد البقر (القد) بكسر القاف وتسكين الدال.وآخرون على البروش والفراء جمع فروة.نطق المذيع باسمى موزعا لمدرسة الحوش الثانوية بنين.ظهر العرق على وجوه السامعين أعلى الجباه وعلى الأنوف ثم دوّى الديوان الصغير بالتصفيق ثم تلته الزغاريد وشربات الفراولة وسأل سائل يعنى بعد الحوش ح تمتحنوا لى حنتوب؟ سخر بعض من كان له بعض المام بنظام التعليم فى البلد وأجابوا أن الحوش مدرسة ثانوية كحنتوب الأ أنها أقل قامة من حيث التاريخ والصيت وليس الكفاءة كما ستثبت الأيام.
حزمنا أمتعتنا المكونة من شنطة الحديد ذات النتؤات على الظهر وعليها قفل من طبل السوكرتة وبداخلها الزى المدرسى (اليونيفورم) قليل من الجلاليب وربما بعض البناطين والأقمصة المفصّلة محليا على أيدى بعض من الترزية (حائكى الثياب والملابس) قليلى التدريب والمهارة.الملابس مصنوعة من الخيوط الصناعية بعد ثورة النايلون والبوليستر والغريب فى الأمرأن بعضنا كان يرتدى الأقمصة المُحاكة من القطن الطبيعى التى تحتاج الى فن ومهارة فى المكواة وهى بالطبع لا تعيش كثيرا وكانت عنوانا للأنتماء الطبقى فى الغالب أبناء المزارعية والعمال الموسميين.ركبنا اللوارى - البكاسى والحافلات لم تظهر بعد - والعربات السائدة وقتئذ كانت الهواستن المجلوبة من بريطانيا لخدمة التجارة الأقليمية بين مدينة ود مدنى عاصمة الجزيرة كمصدر للبضائع والخدمات وتوزيعها على أطراف المديرية المترامية الأطراف وبعض هذه الهواستن يقطع المسافات وصولا الى أطراف جنوب السودان المتاخمة لشماله كالرنك والقيقر وبركة العجب ولا ننسى الجبلين.كانت أُجرة خدمة النقل من القرية الى الحوش فى حدود الريال وخمسة قروش للطلاب و تستغرق الرحلة حوالى نصف الساعة أو يزيد مرورا بالشريف مختار وقنطرتها المعروفة على قناة امتداد مشروع المناقل ويخيل الينا أن بالأمكان توليد بعض من الطاقة الكهرمائية من ما يسمى بالغلاية الناتجة من اندفاع المياه من البحيرة بعد حجزها بواسطة بوابات كبيرة التى تعمل بكفاءة عالية فى فصل الفيضان وتمريرها الى مجرى القناة الرئيسى. وقبيل الدخول الى الجسر يوجد على يمينك غرفة وعدة منازل لسكن عمال الرى. يوجد بالغرفة كلابوكس (كول بوكس) يمكن من خلاله الأتصال بانجلترا وأصقاع السودان المختلفة وكان العم رُهُودة عليه الرحمة يستخدمه فى الأتصال بتندلتى للتأكد من أن بضائعه (طرود الأقمشة المكونة من طاقات البوبلين 14 ألف ، أبو تلاتة تفاحات ، ثياب الساكوبيس الهندى الصنع ، مصر البيضا ، الزراق التيل على حرير ، الدبلان والدمورية السودانية) المُرسلة بالسكة حديد من ودمدنى قد وصلت الى ( مثواها الأخير) وفى الوقت الذى تم تحديده على بوليصة الشحن.
ما زالت الحوش خارج نطاق الأفق لأن عليك المرور بكينقة (هى قرية صغيرة عبارة عن معسكر أو سمّها كمبو) يقطنها لفيف من العمال الزراعيين القادمين من مناطق بعيدة (زارعوا الأناشيد حاصدوا الغد كما يطلق عليهم) وأستقروا قريبا من القنوات الفرعية لا توجد لديهم خدمات تعليم أو مياه نقية ناهيك عن الرعاية الصحية الأولية يقوم أقتصادها المحلى على انداية يؤمها نفر من أبناء القرى المجاورة. يوجد طريقان للدخول الى الحوش ، الزناندات فضل السيد وجبارة ومن ثمّ ضريح ود تميم حلّة حسن وطاحونة العم كشّة القديمة وينتهى بك المقام أمام طلمبة أجب (رحمها الله) وقهوة العم عبد الرحيم على مرمى حجر منك. والطريق الآخر يقودك الى العقيدات ود الماحى المعروفة بجملونها العامر بالناس وأنت على ظهر اللورى تكاد أن تتجاذب معهم أطراف الحديث. بعد عبور الجملون الحلة الجديدة وطلمبة شل المزدحمة بعربات التاكسى الأوبل ووجوه وسحنات سائقيها المألوفة من أب قمرى كالطيب حسين وعمك أبشر وغيرها من القرى المجاورة وأعتقد ابراهيم الحبشى الذى كان يقود عربة بى بى.
9 أبريل 2011
عبد الله التوم حسن
خبير تنمية اقتصادية مقيم بالمملكة المتحدة
الحلقة الثانية
حطت رحالنا بالمدينة / القرية فهى جمع بين هذا وذاك أو كوصف الشاعر المجذوب لا أنت قرية بداوتها تبدوا ولا أنت بندرُ.سوق يتكون من متاجر مبنية من الطوب الأحمر جيد الصنع وبرندات واسعة وذات علو كبير على شكل ( آرش) وبالمناسبة هناك ٳدعاء أن الحضارة السومرية (أربعة ألف عام قبل الميلاد) الموجود بقايا آثارها أسفل الفرات فى محافظة ذى قار بالعراق أول من أدخلت هذا الفن فى العمارة وأكشاك فى الوسط مع عدد من المقاهى والمطاعم و بعض من ورش النجارة ، الحديد والسمكرة زنك الخضار والجزارة والقصّابين من القمّارة. ومن تجار السوق المعروفين العم حسن عيد ، العم عمر الشيخ وعربة الموريس ماينر التى كان يستخدمها ٳداريوا مشروع الجزيرة من الأنجليز ، العم الزبير الجعلى ، ود اللمين والعم أحمد مالك. فى الجانب الشمال غربى يوجد المجلس وبجواره المدرسة الوسطى بنين الى الشرق منه والوسطى بنات (كنا نُطلق عليها الجويهرة) أتذكرون تلك الحشرة الصغيرة المضيئة التى تظهر فى موسم الخريف ونتسابق فى ٳلتقاطها ووضعها داخل البُخس لجلب مزيد من نعم الضرع؟ ، مكتب البريد ومبانى حكومية لا حصر لها تأوى عدد من موظفى وعمال الحكم المحلى.وفى الطرف القصى من القرية / المدينة المقصودة جهة الجنوب شرقى يرقد الصرح الذى يسميه الناظر مصطفى ٳدريس عبد الله مصنع الرجال الحوش الثانوية بنين.وصلنا الى هناك مشيا على الأرجل ومعنا أحمالنا ، تلفتنا الى كل الجهات فوجدنا الفصول وعليها بصمة وزارة الأشغال العامة وداخلية واحدة تسمى الطاحونة (طبعا من غير دقيق وأوتاد الحمير) تقطنها الدفعة الأولى من الطلاب. تفرّسوا فى وجوهنا ولسان حالهم يقول ما دهاكم أيها التعساء لماذا أنتم هنا ألم تجدوا أفضل من هذه الديار؟
أطل علينا الناظر رجل قصير (أحسب أن طوله 5 أقدام و 7 بوصات) ممتلىء الجسم واثق النظرات ثاقب الفكر وذوا دُعابة يُوحى وجهه بأن له صلة قُربى بأهل الصين ومُصفّفاً شعره الى جهة الوراء يصطف الى جواره عدد من الأساتذة الأجلاء مامون تميم - هناك همس يدور أنه الوكيل – أستاذ عمر عطية من قرية الروف معلم الرياضيات ، أستاذ على محمد الحسن من أبناء مدنى معلم اللغة الأنجليزية وحسب روايته أنه كان يعمل بشركة شل قبيل ٳلتحاقه بوزارة التربية والتعليم وكنا نطلق عليه ٳسم روتيلا كاسم مرادف لشل فى سالف الأيام. أستاذ أزهرى الشيخ مهدى من الحاج عبد الله معلم الكيمياء والبيولوجى ، أستاذ عبد الوهاب ساتى عبادى وهبة فى التاريخ أستاذ عبد المنعم معلم الجغرافيا ، أستاذ وداعة معلما للفيزياء من أبناء شمال كردفان الغرا أُم خيراً برا.أستاذ أحمد مضوى من أب قمرى مُعلماً للغة العربية ودرسنا على يديه مبادىء علم العروض للخليل بن أحمد الفراهيدى وتلك قضية أخرى سنتناولها فى موضع آخر عند الحديث عن قدرات هؤلاء المعلمين ما زودونا به وما تركوه فينا من معرفة.ٳلتحق بالمدرسة لاحقا أستاذ عوض الكريم رياضيات من أربجى وأستاذ ابراهيم فى علم النفس من نفس القرية التى أنجبت عبد الحليم / عبد الرحمن على طه من مؤسسى سودنة التعليم مع مستر قريفث فى بخت الرضا ، أستاذ محمد عثمان ثيتا الرمز اللاتينى فى الرياضيات ، عمر عوض فى الأنسانيات بشير زومبة فى الفنون والمسرح ، أستاذ مسعود والصاوى فى اللغة الأنجليزية ، أستاذ عبد الماجد من ناس أم درمان جغرافيا وأستاذ بُرتُبيل لغة عربية والحبوبة عبد الرحمن فى مادة التاريخ وأستاذ عباس الذى كنا نحسبه أحد الطلاب لما يتمتع به من علاقة خاصة تجمعنا به على مستوى الداخلية والحديث عن شعر الحاردلو ومساديره المعروفة والمحفوظة عن ظهر قلب وأشهرها الشّم خوّخت.زارنى وأنا موظف صغير بوزارة التخطيط يبحث عن طلابه المنتشرين فى دواوين الخدمة المدنية ووقتها كان يعمل بنجران فى جنوب المملكة السعودية.
خاطبنا الناظر ، رحّب بنا ، أحسن استقبالنا ووعد أن سيجعل من الحوش الثانوية مصنعا للرجال وقد كان.انصرفنا لوضع الأمتعة على قلتها وكانت المفآجأة أن الطلاب القادمين من الحوش الوسطى سيظلوا باقين فى الجنوبية ٳحدى داخليات المدرسة الوسطى وباقى الطلاب سينصرفون الى لوكاندة الحوش المملوكة للعم ود اللمين وأبنه طلب القادمين من قرية أم دقرسى والمستقرين بالحوش.مبنى قديم يقع على الطرف الشمالى من السوق وبقربه زريبة لبيع محروقات الغابات من الفحم والحطب (موردة) تتوسطه شجرة هجليج (لالوب) مُعمّرة لا تثمر ٳلا أنواع رديئة من الثمر ولها شوك قاسى أحذر أن ينال منك. يوجد بها حمام أو حمامان ان لم تخن الذاكرة ، غرفتان بيت أو بيتان للأدب ومطبخ لأعداد الطعام يشرف عليه عدد من الطُهاة ومساعديهم أشهرهم أحد البرابرة (فتحى الحلفاوى) والعم راكشا أطلقنا عليه هذا الأسم لأنه كثير الشبه بأحد شخصيات روايات شارلز ديكنز الروائى الأنجليزى المعروف.
نواصل ...
عبد الله التوم حسن
10 أبريل 2011
