وردى بمنزلنا الكائن.
الحلقة الاولى.
قالوا وردى جا بريطانيا ونازل مع واحد من اولاد أهله فى لندن يعمل فى احد
المجالس المحلية فى تلك المدينة المهيبة وقديما يُقال فلان سافر لندن اما ان يكون
رجل اعمال (تاجر) من أمثال ناس ابو العلا والشيخ مصطفى اللمين ، او صاحب سلطة
كالسيد عبد الرحمن وبعض زعماء العشائر كالناظر على التوم ناظر عموم كبابيش او عمك
بابو نمر ناظر المسيرية ( الزُرُق ) العجايرة ، مبعوثا من الخدمة المدنية ، (اولاد
التِجّار للدراسة) او طبيبا يجرى وراء الزمالات المعروفة ، اما ناس قريعتى راحت لا
مجال لهم خارج حدود المليون ميل.
فى ديوان حاج عمر يلتقى أهل الفريق فى حصاد اليوم يتسامرون بين الجد والهزل
وأحيانا يتباهون بمغامرات سفرهم بين مركز السودان وأطرافه المتباعدة فيقول احدهم
انا الشايف بِركة العجب ويقول اخر انا مشيت خور برنقا. على ود جاد المولى كله اذان
وفى حيرة من أمره وعلى الفور تناول الحديث مُعلّقا ها ناس والله انا ، الله يبارك
دى ما شفتها وكان يقصد الحوش القريبة منه.
جرت استعدادات استقبال الحدث الكبير فى المدينة التى أعيش بها وهو
وصول الفنان محمد عثمان حسن وردى ليقيم حفلا ترفيهيا للطلاب السودانيين وكنت وقتها
رئيسا لرابطة الطلاب بمدينة مانشستر الكبرى ، ومن يلف فى دوائرهم الضيّقة من بنات
وأبناء الجاليات الاخرى.
انفرد بغرفة فى الطابق الأعلى من المنزل وأصدر اوامره وتوقيتاته الصارمة
منها على سبيل المثال أوقات الراحة وأوقات الوحى والإلهام (التلحين). وما علينا
الا السمع والطاعة ، ونجتمع على موائد الطعام. عند استقبالى له بمحطة بيكاديللي ،
سكك حديد المملكة المتحدة سألته متى تناول اخر وجبة اجاب على الفور وبطرافته
المعهودة ( انا تناولت وجبة من التركين قبل قليل وهذه تكفينى مؤونة يوم كامل فى
بلادكم الباردة هذه ).
أقام حفلا أسطوريا أمّه حجيج أيّما حجيج ، شى سودانيين ، شى افارقة ، شى
عرب شرق أوسطيين واحباش وكانوا اى الاحباش يقولون لنا انه إثيوبي ضَل طريقه إليكم
او قل هو احد بقايا حُكَّام مملكة أكسوم التى حكمت ارضكم بعد مملكة مروى . ومن بين
عازفى فرقته شباب أنجليز على الساكسفون والات موسيقية اخرى ، اولاد (يجيبو
الشمس من وكر الأجل).
كان دائماً يأكل مما يليه غير شره فى تناوله للطعام ويحب الاطباق السودانية
الشعبية ( قراريص وتوابعها من اللواييق ). لا يميل الى الحديث اثناء تناول الطعام
الا بالقدر اليسير.
حكى لنا انه تعلّم العزف على آلة الطنبور فى بواكير صباه على يد مُعلّم
اسمه عبد الوهاب من المناصير وحسب وصفه له انه رجل فارع الطول ينفرد بشارب مفتول
اقل طولا من شوارب الفنان النعام آدم وفنجري كمان وعند سماع اسمه
(عبدالوهاب) فى راديو هنا ام درمان فى احدى لقاءات وردى شد الرحال الى الخرطوم
لملاقاة القمر (عندما يولد فى الشرق القمر ، يترك الناس الحوانيت ويمضون زُمر
لملاقاة القمر) ، استقبله وردى بمنزله بضاحية الكلاكلة واكرم وفادته.
الحلقة التانية.
حلقات الانس كانت متنوعة وذات موضوعات ثرّة ومتجددة تجدُد الليل والنهار (
وردى وتثقيف الذات ) ، كان عليه الرحمة معجبا بأنطونيو قرامشى ومذكرات سجنه
الشهيرة على ايام إيطاليا الفاشستية والتى تعتبر من أفضل إضافات الفكر السياسي فى
القرن العشرين والتى تاثر فيها قرامشى بمفكرين غير ماركسيين أمثال نيكولو
ميكافيللي ، وجورج سوريل. وكان يرى اى وردى فى قرامشى انه اكثر ثورية وابعد نظرا
من لينين.
دعانا الفنان التشكيلي الاستاذ احمد سيد احمد لامسية بداره العامرة دائماً
لتناول طعام العشاء وفى ذيل دعوته كانت هناك عبارة والعاقبة عندكم فى الافراح
والليالي المِلاح ولم ندرِ ان ليلته تلك كانت إحداهن.
تجمّع حول هذا الساحر خليط من الناس ومن بين هذا المزيج نسوة تعرفن على
بعضهن البعض فى احدى دور العبادة (كنيسة) بالقرب من مكان سكنهن وكُنَ فرحات تكاد
تضيق الغرفة بهنّ من شدة الفرح (اظنه الفرح البعذِّب سيدو) بلقاء فنان افريقى فى
سُمرة قارته الام. قُمن باداء بعض الترانيم ووردى من خلف يتطلّع.
تناول وردى الحديث عن الترانيم التى غناها السيد المسيح وحوارييه فى طقوس
الصلوات كما ورد فى العهد الجديد والتى تختلف عن المزامير الواردة فى زبور داوود
وأضاف ان بعض هذه الترانيم يرجع تاريخها الى القرن الرابع الميلادي وما يزال يغنيها
الرهبان فى الكنائس الكاثوليكية.وفى بدايات القرن السادس عشر مع مجيىء المجددين
البروتستانت عملوا على احداث كثير من التغييرات الهامة منها ترجمات هذه التراتيل
من الإغريقية واللاتينية الى لغات يفهمها عامة الناس وكتابة الترانيم بقوافي
وإيقاعات شعبية سهلة الحفظ والاداء.
لقد دُهش الحضور من هذه الثقافة الموسيقية الواسعة وكان نموذج أغنية اقابلك
فى زمن ماشى وزمن جايى وزمن لسع وإيقاعها الأقرب الى موسيقى الريقي بمثابة صحن
الحِلو ال بعد العشا.
ساله احد الحضور عن ألحانه هل ناتجة عن موهبة ام ان له تكتيكات يوظفها خارج
هذه الموهبة الفذّة ؟
اعتدل فى جلسته ثم اجاب ان بعضا من
شعرائه يكتبون شعرا مُلحّنا خارج إيقاعات الخليل بن احمد الفراهيدى ( ضابط إيقاع
الشعر ) وأمثال هولاء يجعلون من الألحان مهمة ليست بالشاقة وضرب مثلا
بالتجانى سعيد صاحب ديوان قصائد برمائية. وأضاف ان من تكتيكاته الخاصة بناء هيكل
الايقاع الخاص بكل أغنية ( تُم تُم ، دليب ، جيرك ، دلوكة ، روك اند رول ....) ثم
يقوم بطلاء الجدار بالالوان الزاهية والألحان الشجيّة وإذا هى تمشى بيننا جيلا بعد
جيل.
روى لى انه فى طريق عودته من حفل أحياها فى مدينة كوستى مستغلا باخرة
نيلية من هناك الى الخرطوم ( يا سُماعين هذا إبحار مع التيار ضد الأسكلا وحلا ).
فى الدويم وأثناء وقوف الباخرة لإنزال بعض من ركابها وصعود اخرين جُدُد قرر ابو
الورود النزول الى المُشرع لشراء مجلة هنا ام درمان وكانت المفاجاة قصيدة الطير
المهاجر فى الصفحة الاخيرة من المجلة للشاعر صلاح احمد ابراهيم احد رواد مدرسة
الغابة والصحراء الأدبية. عاد الى الباخرة وأطلقت الباخرة صافرة المغادرة. قرا
وردى القصيدة عدة مرات وبالقرب من منطقة جبل أولياء كانت القصيدة لحنا
سلسبيلا.
تم توزيعها اخيراً اثناء وجوده فى امريكا فى استديوهات سونى بكاليفورنيا
وكأنك تسمع ل جيمس لاست.
خاتمة
قضى بيننا اياما معدودة وترك فينا كنوزا من المحبة والذكرى ، تجولنا خلالها
فيما يحمل من معارف ومواهب وكانت الموسيقى والفن جوهرتا التاج. يقولون ان
الموسيقى هى شفرة الطبيعة ووردى كان شفرة موسيقى السودان وبصمته للقارة الافريقية
وخاصة حزام السافنا جامع المحيطين الهندى شرقا والاطلسى غربا.
مع كل أغنية وكل لحن من ألحانه هناك رواية وحالة وجدانية خاصة. ذكرت له
الشاعر محمد حسن دكتور أمسك بالعود وضع خده على الحافة ونقرش
اماسى الغربة.
يا اماسى الغربة فد يوم فرحينا
شيلى دمعات الاسى وما توجعينا
يا اماسى الغربة كم فى الغربة بالآهات نقاسى
ياما وصينا المسافرين كان يلاقوا عيون مراسى
فى الهجير ... يمكن تلاقيهم ضفيراتهم شماسى
يا اماسى الغربة .... شيلى جرتق عديلنا
لى تراب بلدى سواقيها ونخيلنا
للجزاير الواصلة خيرنا وفاصلة نيلنا
وللحليوة الفى العيون ... كانت تلولينا وتشيلنا
مهما طال يا شوق ... فيك غيابنا وليل رجوعنا
وبرضوا راجعين للديار الحلوة ... تفرح لرجوعنا
يفرشوا الحِبان رموشهم ... فوق دروبنا
والأماسى الضايعة ... بتعود لرجوعنا
نتلاقى عند الدايم.

No comments:
Post a Comment