About Me

My photo
I was born in Aldoha village in Sudan in the mid 1950s.Aldoha village is about 18 Km west of Haj Abdalla.I'm an economist by training educated in Sudan and the United Kingdom.Married with three kids,a girl and two boys.Linving in Manchester UK.

Tuesday, 9 July 2024

 


مغادرة سعيد ود الداسوقى إلى الضفة الأخرى 


 سعيد اب لمبة يشدو الشويدن بجنّات عدنٍ . 


من الصعب تمييز حالته الخاصة واين موقعها من الجد والهزل.يقول من عاصروهو فى حوارى أم درمان ايّام كان يتاجر فى البطيخ والشمام انه كان يروج لبضاعته وكانه بايع للصحف اليومية ، علينا جاى البطيخ ، الأيام ، والشمّام والرأى العام.تفتح ابواب الحيشان ليرو سعيد يقرقر من الضحك ثم يجاملونه ما استطاعوا الى ذلك سبيلا ، والى ان ذاع صيته بين الأحياء كمسرحي متجول ، هذا هو سعيد ود البقودن (الداسوقى) كما يحلو لنا ان ننسبه الى والده الهدى الرضى ابراهيم ود الشفيع عليهما الرضى والرضوان. 

فى فترات رواج النادى بالقرية فى سبعينات القرن الماضى كان سعيد الحافز لارتياد النادى من ابناء جيله ، ويبدا فى الغناء الخاص على السباتة بعد المسلسل الذى يُبث من تلفزيون النادى وبإضاءة من مولد الهوندا الصغير  الذى يعمل بالبنزين ، انا يا حمام يازاجل ، عندى ليك رسايل ....  جلللل يضحك ثم يسال نفسه كيف تذكّر هذه الأغنية المنسية غير المتداولة. 

يمكن ان نقول وبكل اطمئنان ان شخصيته هجين من ال دقس وما يعرف عنهم من روح الفكاهة والدعابة ، وهذا الجين الداقس  جعل منه فناناً محبوباً عند الغاشى والماشى ، وأنك لن تسمع غير سعيد قال وسعيد حكى. وقالوا كان يعمل بسكر كنانة ايّام مجدها الزائف ، وقد رأى مولداً للكهرباء ضخماً من سلالة البيركينز  الانجليزى ، وقف سعيد عنده ، تأمله جيداً ثم قال هييع ات يا البتهدر بارك ، والله عندك عجلات تبدّع. 

الجزء الآخر من جيناته مأخوذ من ال الشفيع اتذكرونهم جيداً (محمد احمد ، ابراهيم ، عبدالله ، نفيسة ، الحرم والشُبّاك) قوم أهل طوية بدوية ، فارعى الطول ، نحيلى البنية الجسدية وكانهم حطوا علينا من الحزام الأمازيغي ، متعففين لا يسالون الناس الحافا ، العم محمد احمد عليه الرحمة رجل كامل التقوى والورع ، خفيض الصوت ملىء بالحكم وياكل من عمل يده وتقف ربطة أكمام العراقى خلف الرقبة دليلا على ذلك. كان صديقاً حميماً لحاج ادم ، وبعد انتقال حاج ادم للدار الآخرة حزن حزناً شديدا على فراقه وظل وفاؤه كما هو ، لم يتغير ، وفى احدى الأيام جاء الى البيوت هاشاً باشاً من رؤية منامية لحاج ادم ويحمل ريالاً لصغرى بنات حاج ادم زينب وجده تحت وسادته.

ومن سرّه ان ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى العم ابراهيم الداسوقى والد سعيد. عاش بيننا سنين عددا قبل ان يختاره المولى الى جواره ، اكلنا معه الملح والمُلاح ، وكنا نطرب لحديثه البسيط ونظرته الكلية للحياة ، وكنا  نقف دايما الى جواره مشجعين فى منافسة لعبة ضآلت فى موسم الأمطار وخصمه ود دشين عليهم جميعًا الرحمات. 

ان لم تكن سعيداً ، لا ندرى من سيكون اسمك فى الأزل يا سعيد الدارين. عليك منا الدعاء بالرحمة  فى يوم موتك ويوم تبعث حيّا.  


عبدالله التوم حسن

إنجلترا 

ديسمبر ٢٠١٩ 

  

 حاج عبدالملك عبدالحى 


رحلة قرن من الزمان ١٩٢٠ - ٢٠٢٠ ( الاحد ٢٩ نوفمبر ) 


صحِب الناسُ قبلنا ذا الزمانا    

                                    وعناهم من شأنه ما عنانا

وتولوا بغُصّةٍ كلهم منه 

                                    وان سرّ بعضهم احيانا 


يقال ان عمره الظنّى (مائة عام) ، عشنا معه النصف الاخير منها وليتنا صحبناه ونعمنا بما فاتنا منها. هو الابن البِكْر ل عبدالحى احمد نور واُمُّه رحمة بت البشير. 

من بين اخوات عشّة وفاطنة واخوان دون ترتيب ، ابراهيم ، يوسف ، حمد ، عبدالله وعبدالرحيم. 

عاش كل سنين عمره عاشقا ومتجولا بين الحقول بخضرتها الزاهية وعطائها غير المنقطع متنقلا بين الوظائف كمفتش زراعى والاربعة عقود الاخيرة من عمره قضاها هو نفسه مزارعًا. 

(زارع الحقل فى البُكور عيشك الدهرُ اخضرُ). 

مع ميلاد عصام كبير الاولاد كان يعمل فى الترتر

ونحن اطفال كنا نخلط بينها وبين الترتار وتقع الى الشرق من ابو جبيهة وتشتهر باشجار الترتر الضخمة سميكة اللحاء وذات اوراق عريضة وتنتج صمغا بلورياً. عاش هناك منسجمًا مع اهل المنطقة  وهم خليط من اهل السودان الواسع زى الكواهلة ، النوبة ، كنانة ، الشُلُك ، النوير ، الصَبْحة ، دار حامد ، تكيم والتكاوير وصنعت منه هذه التجربة على قصرها شخصًا عميق النظر فى قضايا السودان المتعددة والمتشابكة وسهولة التكيف مع وسائل كسب العيش.

عاد من هناك مليئا بالأمل والتجارب وقاده الحظ هذه المرّة الى السوكى تلك المدينة الساحرة فى الضفة الشرقية للنيل الازرق جنوب سنار ويربطها بسنار حبلٌ سُرّى عبارة عن خط سكة حديد يجرى بينهما ويمتد الى مدينة القضارف وما بعدها. كان يعمل فى مشروع البرير ( الرابعة ) لزراعة القطن طويل التيلة ويرضع مشروع ود البرير مع شقيقه مشروع السوكى الزراعى من نفس الثدى (بيارة السوكى) الشهيرة. 

كانت صداقاته ومجالسه متنوعة بتنوع المدينة ومجتمعاتها من العم محمد احمد عبدالكريم رفيق العمل ، فضل الله جُرمُك ، حاج محمد ، على عبدالله ، احمد صلاح ، حاج عزالدين كجيران ، وتمتد العلاقة خارج نطاق السكن الى احياء واسواق المدينة حتى ناس نصيف القبطى وعشيرتهم. يلتقون فى زاوية الحارة لاداء الشعائر وترتيب الطقوس وكان قارئا مع عذوبة صوته للمولد النبوى على طريقة طائفة الختمية. 

كانت السوكى على ايامهم مدينة لا تعرف السُكون ، تهز وترز ، اهليها فى حركة دائبة بين المزارع والحقول ، البيارة (ترزم بالليل تحِنْ) ، ينساب ماؤها الى التُرع ثم تهتز الارض وتُنْبت من كل زوج بهيج.

المنطقة الصناعية عامرة بادوات الزراعة وتوليف قطع الغيار ، المُنشار يعزف مقطوعته فى انسجام مع حركة المد والجزر لبحر ازرق وطالع ياكل ونازل يلوك ما اكل. والباخرة تُطلق صافرتها إيذانا برحلة الروصيرص ، طريق التجارة ومُشرع الحضارة. 

المحلى والمشترك يتقاطعان فى رحلتين كل اسبوع ، يحملان البشر وخيرات الشرق الحبيب. 

هاجر تجارها ومثقفيها الى كبريات المدن وغادر شبابها الى اعالى البحار بحثًا عن الارزاق. 

سيرو الجعليين ناحية سنجة والروصيرص كانتا اخر محطات الفقيد قبيل ايام المعاش ، حاول الزراعة عدة مرات الا ان جراد عام ١٩٨٩ الصحراوى الشهير كان قد انقضّ على الزراعة وعلى البلد باكمله واكل الاخضر واليابس. 

هذا هو انت يا حاج فى ذاكرتى الحيّة ، اما ملفاتك فى ذاكرتى المتنحية فهذا شأن بينى وبينك. 

ارقد بسلام ايها الجسد النحيل فقد اديت الامانة والواجب وحان وقت طوافك فى بساتين الفراديس مع من تحب وان شاء الله تكون شايل معاك تيراب لاشجار القرض. 

نتلاقى عند الدائم.


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

ديسمبر ٢٠٢٠ 


Attachment.png

 



وداعاً خالى السر 

هو حالة بين السر والجهر.يحمل أسراراً عميقة فى محيط جوفه الواسع وجهرا للغاشى والماشى. جدى عبدالرحمن بخيت والد السر متزوج من بت حاج العاقب (زينب) امرأة تنطوى هى الأخرى على سجيّة وفطرة نقيّة وربما أسرار وعند ولادة ابنها السِر من بين اخوان ، بشير ، عبدالقادر (تنقو) ميرغنى ، فاطنة والحُب نعم الحُب بمعناه المباشر  أصرّت على اسم السِر لماذا لستُ أدرى! 

عاش منذ بواكير شبابه فى حزام الزراعة الآلية الممتد من القضارف شرقاً وهناك فى القضارف بدأت التجارب الاولى للزراعة بالآلة منتصف أربعينيات القرن العشرين فى قطاع ما يُسمى بالسهول الطينية الوسطى فى خاصرة السودان ثم مرورا بالدالى والمزموم ، الرنك ثم يسافر غربا مارّا بهبيلا جنوب كردفان وينتهى عند تخوم جنوب دارفور والحزام عبارة عن مطمورة غذاء اهل السودان. 

جدى عبدالرحمن ود بخيت والد السر من اوائل التُجّار الذين استقروا فى مناطق تماس شمال السودان مع جنوبه حول مدينة الرنك (بِركة العجب) ومعظم اهلها من قبيلة الشُلُك وآخرين. 

كان خالى السر يحدثنا حديث العارف عن نمط الزراعة شبه الآلى فى مشاريع الرنك المملوكة للقطاع الخاص منهم تُجّار معروفون وسياسيون وشوية أفندية.يحكى بهدوء وسلاسة تتخللها قفشات وابتسامات على خفيف واحياناً ضحكات من مركز الصدر ونادراً ان تسمعه يضحك من حنجرته. 

هاجر إلى هناك منتصف ستينات القرن الماضى ووقتها كان يمتهن حرفة تفصيل وحياكة الملابس الإفرنجية وعلى أيامهم كانوا يصنفوهم ب ترزى بلدى (جلاليب ، عراريق وسراويل) وترزى افرنجى (بناطلين ، أقمصة وبِدل). 

كُنّا نسمع عنه وعن نجاحاته فى كل من الرنك وملكال متنقلاً على بابور الأسكلة والرنك احتفل ببهاك يا خال. هجر حرفة الخياطة ورمى بثقله هذه المرة في الزراعة. 

كان يشكوا مُر الشكوى من ضعف اداء زراعته لأسباب كثيرة وعلى رأسها سياسات الدولة الكلية والقطاعية غير الجاذبة للاستثمارات فى قطاع الزراعة ولأنهم كمزارعين فى سباق مع الموسم. 

يواصل خالى السر حديثه عن ضعف استخدام التقانات الحديثة وقضايا التمويل المعقدة ومدخلات الإنتاج الأخرى. كان عليه الرحمة يتحدث فى هذه الموضوعات بعمق وعين فاحصة واحيانا لا تخلوا من سُخرية وروح دُعابة. 

كان دائما يختم حديثه عن تجربته الثرّة بقوله عليكم الله سووا لينا طرق سالكة كل العام ومصادر موية خاصة بعد الخريف واوصيكم خيرا بهذا الجزء من الوطن. 

ذهب الجنوب بما فعلت ايدينا وها هو خالى السر يلحق به إلى دار الخلود.

المنسى ، حاجة عشّة واسيا اولاد الكنانية فى انتظارك بعد ان تكمل إجراءات الدخول إلى جنة عدن وهم فى ارائك على اليمين من المدخل. 

تعازينا ل آل بخيت ، آل الشفيع و آل بت على الكنانية كلهم ل بت ركابى وبت ركابى من تراب. 


عبدالله التوم حسن 

إنجلترا 

اول أبريل ٢٠٢٤ 

  

التومة حسّان خليك عضلية

من مأثورات الحاج ود حسان


كانت البير هى مركز الكون لمواطني الدوحة وخاصة نسائها وهى كذلك وتقع موقع القلب من القرية. 

يوجد بالدوحة مصدران للمياه عبارة عن عِدّين وكلمة عِد تعنى عندهم جمّام او سرف وهو عبارة عن منخفض فى اعماق الارض تتجمع فيه بحيرة صغيرة من المياه الجوفية ويعمل المواطنون على استخراجها بوسائل عده اهما الدلو (قطعة من الجلد فى شكل قُمع يُربط على حبل مصنوع من القطن بطول عمق العِد. للعِد طقوس منها ضرب القرن للتكحيل عند جفاف الينبوع ويوجد اناس متخصصون فى هذا الفن ويقال ان العِد الكبير مسكون ويُعشعش فيه طائر البُوم. ولكل عِد كُنجارة عبارة عن معلاق فى حال انقطاع الدلو قبل اتمام الرحلة الى الخارج وعليه تلك الموية الربوب. 

كلنا نعلم ان العِد الكبير يقع الى الجنوب الغربى من مسجد القرية الكبير على بُعد امتار  ويقال ان طوله ٣٠ راجل واذا افترضنا ان متوسط طول الرجل ١٧٥ سم لك ان تتخيل مُعاناة حصاد المياه من ذلك العمق. كانت القرية تعتمد اعتمادا كاملا على هذا المصدر واظن ان العِد الصغير ( عِد شرف الدين ) الى الغرب من موقع البير الحالى كانت قد جفت ينابيعه وربما كان عمقه فى حدود عشرين راجل. 

فى واحدة من حملات هيئة توفير المياه فى سعيها الدؤوب فى مكافحة العطش بالسودان كانت الدوحة من القرى المحظوظة التى حازت بموقع بير فى برنامجها ولا ادرى ان كان ذلك نهاية الخمسينات او بداية ستينيات القرن الماضى. 

جاءوا الى القرية بآلياتهم تلك وعمالها المهرة يرتدون الابارولات الما وسخ وعلى رؤوسهم طرابيش السعف للوقاية من سَموم نُص نهار الدوحة ونصبوا لنا بُرجا فى الوسط تقف اعلى هامته توربين (مروحة) ذات ريش تلتقط طاقة الرياح وتحويلها الى طاقة ميكانيكية وضخ المياه من باطن الارض الى الصهريج ومنه الى المواطنين. ويوجد على الجانب الاخر من التوربينة ما يسمى بالجناح وهو المسئول عن توجيه المروحة حسب وجهة الرياح وجعلها تستجيب لاى تغيير باعتباره قائد الاوركسترا. 

لا ادرى كم كنا نستهلك من المياه فى تلك الفترة حيث الاسر اقلّ اتساعًا والحمامات قليلة والملابس غيار غيارين بالكتير والبهايم تعتمد على مياه التُرع. 

مكعب الصهريج كان صغير الحجم وتتدلى منه ماسورة لتصريف الفائض وتنتعش على جانبى البير الاعشاب ونبات العوير (فعلا اسم على مُسمّى) ذو الوردة البنفسجية وفى قاعها تستكين حشرة ذات طنين وبعضنا كان يطرب لها. 

الى الشمال من الصهريج توجد صبّة (مسطبة )من الكونكريت عليها اربعة صنابير (مواسير) ضخمة اثنتان من جهة الشمال واثنتان فى الجنوب وكان ضغط الماء جيدًا. تسمح هذه الاُميّة لملء اربعة من المواعين فى وقت واحد. يصطف الواردون على اطراف المسطبة والكل فى حالة توتر وتدافع اشبه برمى الجمرات. كان العم عمر ود ام الحسين عليه الرحمة اكثر الناس صبرًا لانه يملك خُرُج يسع ٨ صفايح وغالبا ما كان يتدخل فى فض النزاعات بروحة السمحة ودعابته الرصينة. 

الحاج والتومة حسان كانا من المشاغبين فى هذا المشهد عليهما الرحمة ينتظران دورهما فى قلق بائن وكانت الشفرة (التومة حسان خليك عضلية). 

الضو ود حنينة وعثمان اخوه كانا على الطرف الاخر من ميزان الشغب ، كانت الارواح متحابة وتتحول كل هذه المدافرة الى حكاوى الدواوين فى الأمسيات وتفرهد المُزح ابد الدهر. عليكم الرحمة يا من غادرتم وتمام العافية للاحياء. 


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

١٩ يناير ٢٠٢١ 














 


أبو الشينة (الكِرجة تعطيش الجيم)

 بين الجد والهزل 


ابو الشينة : سلام بت قمبو 

مرحب خلف الله

ابو الشينة : عندكم سُكّر ؟ 

أبدا والله لا بُن لا شاهى


كان يدير حوارًا مسرحيًا كاملًا مع ذاته. 


قال الراوى هو خلف الله ود أحمد ود برّى (البرياب من ود برّى).

يلتقى نسبه مع البشير ود عثمان فى أحمد ود بّرى ، عثمان والد البشير  وأبو الشينة أشقاء هو عم البشير ود عثمان حسب تسلسل شجرة العائلة. 

جاءوا كغيرهم أو قل نزحوا من شمال السودان مناطق الكتياب والجابراب ضواحى شندى ولا ندرى تاريخ هذه الهجرة الداخلية ان كانت عقب حملات الدفتردار الانتقامية ام بعدها كما تزعم كثير من روايات أهل السودان الشفاهية ويقال أنهم اهل علم ودراية بشئون الدين وانخرطوا فى تدريس القرآن والفقه بوسط السودان وانتشروا فى بواديه وقراه فى الحزام الممتد من سنجة ، سنار ، حوش ابّكُر ، مهلة وشبونة. 

تقول بطاقته الشخصية انه ولد فى تاريخ مجهول ولا يُعرف على وجه الدقة فى أى فصل من العام ولد لكنه ليس بالبدين ولا الهِويّن منقرص ، يُميّزه وسم على خديه (شلوخ) الرقم ميّة وحداشر او ما يعادل شلوخ المطارق عند النساء. يمشى منكفئا للأمام كأحدب نوتردام (كوازيمودو) للروائي فيكتور هوغو مع عرجة بيرونية. يمشى على مهل متأملًا تحت قدميه مخاطبًا نفسه ومتجاوبًا مع من حوله من الأحداث والسابلة على الرغم من حالة الذهول التى يعيشها.كانت له استدارة يؤديها عند المشى مع رفع الرجل اليمنى قليلًا ثم يخاطب مجهولًا قبَلَك ويواصل مسيره الى حيث يقصد وغالبًا ما تكون مزرعة العم البشير ود عثمان فى دبارة أعلى القوز الواقع بين الدوحة والقصيراب من الجهة الجنوبية الغربية للقرية. 

تزوج وأنجب بنتًا جميلة ويشبهونها كالقمر المُنير كانت حديث ومثار إعجاب الناس ويعيش فى بيت من اللبِنْ مكون من غرفتين وصالة وكان منزله من معالم حى آل جعل وقتئذ. عند الحفلات يُقال انه يدخل حلبة الرقص وسط الطمبارة ويضرب برجله على الأرض قائلًا وفخورًا أنا أبو السمحة. صعدت روح بنته الوحيدة الى بارئها وتركت فيه حزنًا عميقا تكاد تلمسه ومن حينها إنقلب على عقبيه وانطوى على نفسه وتحوّل إلى مقولة انا ابو الشينة ظنًا منه ان ذلك سيعود عليه بطيف من ملاكه الغائب. 

كان يجمع بين الحكمة والطرافة ومُلمّاً بما يدور فى الزمان والمكان ، يقول عن حى كنانة فريق بقارة قالها بعفوية عندما احتاج أحدهم الى (كُنجارة) وهى أداة من ادوات البحث عن دلو الماء المُنفصل عن حبله و المفقود فى قاع البير المحفور يدويًا(العِد) والذى يتم تكحيله من فترة لأخرى بعد ضرب القرن كصافرة إنذار مُبكر ورسالة كالتى يقوم بها النحاس وقتها كانت الدوحة تشرب من هذه العين الجوفية. سال احد السُقاة عن وجود كنجارة كان يحتاجها وقتذاك ، قال له ابو الشينة موجهًا ان يدخل فريق بقارة لأنه لا يخلو من حربة او كوكاب واجابته كانت تعبّر عن تلك الحقبة من تاريخ السودان ، نهايات حكم المهدية والفوضى التى عمّت بظهور الجهادية وكتلة سوق فحل والتى استشهد فيها جدنا الحاج جبرين راجل القفلات والمدفون بجوار الفكى امحمد العركى شرق القصيراب. 

سأله أحدهم مازحًا:

أبو الشينة هل عاشرت امرأة بالحرام ؟ 

الليمون تحت شدرة ود شعيفون وكانت الليمون ام السائل.

هكذا كانت إجاباته سرعة بديهة غير مُتكلفة وعفوية ، لا تصاحبها تعابير وجه او لغة جسد.  

كان للعم البشير ود عثمان ثلاث زوجات ، إحداهن بنت عمّه من آل برّى ، وأخرى من البيلاوى والعمّة رغية ( قصدت كتابتها بالغين وليس القاف لان أهلنا ينطقونها زى كلمة رقاق )بت المصطفى وكانت أبرهُنّ بأبى الشينة وكان يُحبها ويرى أنها أولى بالرعاية والعناية وقال قولته المشهورة " الدُولة تضوقا بت نيلة "

والمقصود بالدولة الهيبة والسلطان وبت نيلة هى العمّة رغية بت المصطفى ونيلة هى حبوبة رغية بت المصطفى من جهة والدتها نفيسة بت الشفيع. 

كان لديه إحساس متزايد بقيم العدالة والحاجة للحرية وكراهية الاستبداد.وكانت هذه أدقّ فيضانات المشاعر عنده مع التجارب وتأملات العقل المفقود فى تداعياته. 

ترك الكثير من الأقوال والمآثر وهاك أمثلة على ذلك

الصاقعة دى وقعت متين ؟ كان فى حالة استرخاء فى أحد مساجد سنجة وفجأة وجد أمامه ابن اخيه البشير ود عثمان كفيله ومتعهد رعايته. 

ومن أشهر اغانيه يا مهدى الله زمانو طابت يرددها بصوت أجش كلما كان عابرًا فريق بقارة إلى بلدات دبارة. 

عليكم الرحمة جميعًا وتركتوا فينا سودانا لن يتكرر. 


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

١٩ سبتمبر ٢٠٢٣ 




 الهادى بتاع الدوحة ذلك اللغز

هكذا يُطلق عليه او يُسمّونه أهل القرى من حولنا الهادى بتاع الدوحة. 

حملته أمه وهناً على وهن ثم وضعته بشراً سويا. نشا نشأة غير طبيعية مقارنة باقرانه فمثلا لم يكن له أنداد طفولة يلعب معهم او يأنس لعشرتهم وكان "يرغل" الغنم يحلب من الضرع مباشرة على فمه دون المرور على كورة او ماعون ويدندن طوال الوقت او عاضا على العضلة فى مؤخرة ابهامه وترى اثر اسنانه بارزا عليها. وفى بواكير طفولته زارت أمه الشكينيبة والشيخ العارف بالله عبد الباقى المكاشفى (أب عمر) المولود بقرية ود شنبلى شمال غربى سنار كان حِلٌّ بهذا البلد قبل ان ينتقل الى تلك الموعودة فى أوائل ستينات القرن الماضى.

أذّن مؤذن ان العيد بالشكينيبة والشيخ الحسين ود على هو من يقوم بإعلان ذلك بضرب النوبة (ضربا فتانُّ  وترنُّ) وبخور اللُبان عاكل بين فتلات نسيج ثيابه المصنوعة من الدمورية توب ، عراقى وسروال اب تِكّة حتى تكاد ان ترى سبايب الدخان يخرج منها ، وهذا الشيخ الجليل من حوارىّ ابونا المكاشفى. وصلوا الى هناك قبيل صلاة عيد الفطر ، أقاموا الصلاة ثم تلتها مواعيد الزيارة. الشيخ جالس على فروته والنَّاس من حوله يشكون حوائجهم وينتظرون فاتحة تعينهم على نوائب الدهر.

جلست والخوف بعينيها وقالت يابا أدينى فاتحة لى ولدى دا ثم ناولت الخالة زينب بت عباس ود الجوف الطفل لابونا الشيخ. 

اخذه الشيخ بين يديه تمعنه ثم قال: "والله انت يا المخلوت لو ما شوية كدى من الممكن ان يسطع نورك ويُغطى مساحة أوسع". هكذا افادت ست نور بت رهودة وكانت من الحاضرين. شربوا من ماء الحفير وغرفوا من طينها لعلاج البُرجُم وامراض اخرى ، انتهت الزيارة وعادوا الى قريتهم سعيدين فرحين.   

اسمعوا ماذا قالوا عن الهادى: 

روى احدهم فى يوم ماطر من ايام الخريف شوهد الهادى يخوض مياه السيل ويتبادل الحديث مع شخص اخر ولا وجود لهذا الرفيق المُتحدّث معه ، وبعد قليل سمع الراوى ارجع يا الشيخ بانقا على لسان الهادى وكأنه يقول سعيكم مشكور فقد وصلت الى ديارى بالسلامة. 

له علاقة خاصة بالقباب وشيوخها ، قبة الفكى اُمحُمد ود محمد نور العركى المدفون بجوار قرية القصيراب ، ضريح الشيخ بانقا الضرير المنطرح الجاب الطريق بالضبح ، وبنايا الشكينيبة. 

اسماء يرددها الهادى فى صباه ،  موسى ود دقس 

الضو ود الشاش ، حليمة بت أب دقوشة ، الشيخ يعقوب.  

كثيرون يرددون انهم تركوه وراءهم فى أسفارهم  مع قلّة وسائل النقل آنذاك ثم يجدونه أمامهم فى الاسواق وأشباه المدن تاركا حيرة كبرى فى اذهانهم. 

يرتدى عراقى الدمورية والدمورية فقط طول حياته ذو الجيب على اليمين (جيب الساعة) وبإمكان هذا الجيب ان يسع ساعة بِق بن بحالها. لم يشاهده احد يدخل حماما لقضاء حاجة او مِستحما من عناء سفر او مزيلا لاوساخ عالقة بالجسد ولا تشم منه رائحة عرق. لهذا العراقى ترزى معروف عندنا ويفضّل الدمورية من تاجر القطاعى التوم ود عبدالله ود نصر. واظن ان طوله ما بين التسعة والعشرة اضرُع.  

عند الولائم تراه جالسا على مائدة عليّة القوم ويزدرد اللحوم وفى صغره كان من محبى المدوَّر.  يحفظ قصصا مكررة ابطالها احياء ومنهم من غادر ويرويها بدراما كاملة فى فن التقليد. 

قابلته موخرا وقد ترهّل جسده وأصبح يتحرك او يمشى بصعوبة وتساقطت أسنانه بالكامل واذا سألته ما سبب ذلك أجابك ( اكل اللحم الحار )ويواصل فى سرده لمن حوله غير آبه. 

اذا مدح اطرب على قلة حفظه للمديح ، له مدحتان يرددهما كلما طلب المستمعون ، يا منادى ل مهّال مكاشفى القوم قايد الكُمّال او الطويل باعو الاُذنو سمّاعو مكاشفينا البرقو لمّاعوا. 

يعيش بيننا يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ويراه اخرون غير ذلك.


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا