الهادى بتاع الدوحة ذلك اللغز
هكذا يُطلق عليه او يُسمّونه أهل القرى من حولنا الهادى بتاع الدوحة.
حملته أمه وهناً على وهن ثم وضعته بشراً سويا. نشا نشأة غير طبيعية مقارنة باقرانه فمثلا لم يكن له أنداد طفولة يلعب معهم او يأنس لعشرتهم وكان "يرغل" الغنم يحلب من الضرع مباشرة على فمه دون المرور على كورة او ماعون ويدندن طوال الوقت او عاضا على العضلة فى مؤخرة ابهامه وترى اثر اسنانه بارزا عليها. وفى بواكير طفولته زارت أمه الشكينيبة والشيخ العارف بالله عبد الباقى المكاشفى (أب عمر) المولود بقرية ود شنبلى شمال غربى سنار كان حِلٌّ بهذا البلد قبل ان ينتقل الى تلك الموعودة فى أوائل ستينات القرن الماضى.
أذّن مؤذن ان العيد بالشكينيبة والشيخ الحسين ود على هو من يقوم بإعلان ذلك بضرب النوبة (ضربا فتانُّ وترنُّ) وبخور اللُبان عاكل بين فتلات نسيج ثيابه المصنوعة من الدمورية توب ، عراقى وسروال اب تِكّة حتى تكاد ان ترى سبايب الدخان يخرج منها ، وهذا الشيخ الجليل من حوارىّ ابونا المكاشفى. وصلوا الى هناك قبيل صلاة عيد الفطر ، أقاموا الصلاة ثم تلتها مواعيد الزيارة. الشيخ جالس على فروته والنَّاس من حوله يشكون حوائجهم وينتظرون فاتحة تعينهم على نوائب الدهر.
جلست والخوف بعينيها وقالت يابا أدينى فاتحة لى ولدى دا ثم ناولت الخالة زينب بت عباس ود الجوف الطفل لابونا الشيخ.
اخذه الشيخ بين يديه تمعنه ثم قال: "والله انت يا المخلوت لو ما شوية كدى من الممكن ان يسطع نورك ويُغطى مساحة أوسع". هكذا افادت ست نور بت رهودة وكانت من الحاضرين. شربوا من ماء الحفير وغرفوا من طينها لعلاج البُرجُم وامراض اخرى ، انتهت الزيارة وعادوا الى قريتهم سعيدين فرحين.
اسمعوا ماذا قالوا عن الهادى:
روى احدهم فى يوم ماطر من ايام الخريف شوهد الهادى يخوض مياه السيل ويتبادل الحديث مع شخص اخر ولا وجود لهذا الرفيق المُتحدّث معه ، وبعد قليل سمع الراوى ارجع يا الشيخ بانقا على لسان الهادى وكأنه يقول سعيكم مشكور فقد وصلت الى ديارى بالسلامة.
له علاقة خاصة بالقباب وشيوخها ، قبة الفكى اُمحُمد ود محمد نور العركى المدفون بجوار قرية القصيراب ، ضريح الشيخ بانقا الضرير المنطرح الجاب الطريق بالضبح ، وبنايا الشكينيبة.
اسماء يرددها الهادى فى صباه ، موسى ود دقس
الضو ود الشاش ، حليمة بت أب دقوشة ، الشيخ يعقوب.
كثيرون يرددون انهم تركوه وراءهم فى أسفارهم مع قلّة وسائل النقل آنذاك ثم يجدونه أمامهم فى الاسواق وأشباه المدن تاركا حيرة كبرى فى اذهانهم.
يرتدى عراقى الدمورية والدمورية فقط طول حياته ذو الجيب على اليمين (جيب الساعة) وبإمكان هذا الجيب ان يسع ساعة بِق بن بحالها. لم يشاهده احد يدخل حماما لقضاء حاجة او مِستحما من عناء سفر او مزيلا لاوساخ عالقة بالجسد ولا تشم منه رائحة عرق. لهذا العراقى ترزى معروف عندنا ويفضّل الدمورية من تاجر القطاعى التوم ود عبدالله ود نصر. واظن ان طوله ما بين التسعة والعشرة اضرُع.
عند الولائم تراه جالسا على مائدة عليّة القوم ويزدرد اللحوم وفى صغره كان من محبى المدوَّر. يحفظ قصصا مكررة ابطالها احياء ومنهم من غادر ويرويها بدراما كاملة فى فن التقليد.
قابلته موخرا وقد ترهّل جسده وأصبح يتحرك او يمشى بصعوبة وتساقطت أسنانه بالكامل واذا سألته ما سبب ذلك أجابك ( اكل اللحم الحار )ويواصل فى سرده لمن حوله غير آبه.
اذا مدح اطرب على قلة حفظه للمديح ، له مدحتان يرددهما كلما طلب المستمعون ، يا منادى ل مهّال مكاشفى القوم قايد الكُمّال او الطويل باعو الاُذنو سمّاعو مكاشفينا البرقو لمّاعوا.
يعيش بيننا يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ويراه اخرون غير ذلك.
عبدالله التوم حسن
بريطانيا

No comments:
Post a Comment