التومة حسّان خليك عضلية
من مأثورات الحاج ود حسان
كانت البير هى مركز الكون لمواطني الدوحة وخاصة نسائها وهى كذلك وتقع موقع القلب من القرية.
يوجد بالدوحة مصدران للمياه عبارة عن عِدّين وكلمة عِد تعنى عندهم جمّام او سرف وهو عبارة عن منخفض فى اعماق الارض تتجمع فيه بحيرة صغيرة من المياه الجوفية ويعمل المواطنون على استخراجها بوسائل عده اهما الدلو (قطعة من الجلد فى شكل قُمع يُربط على حبل مصنوع من القطن بطول عمق العِد. للعِد طقوس منها ضرب القرن للتكحيل عند جفاف الينبوع ويوجد اناس متخصصون فى هذا الفن ويقال ان العِد الكبير مسكون ويُعشعش فيه طائر البُوم. ولكل عِد كُنجارة عبارة عن معلاق فى حال انقطاع الدلو قبل اتمام الرحلة الى الخارج وعليه تلك الموية الربوب.
كلنا نعلم ان العِد الكبير يقع الى الجنوب الغربى من مسجد القرية الكبير على بُعد امتار ويقال ان طوله ٣٠ راجل واذا افترضنا ان متوسط طول الرجل ١٧٥ سم لك ان تتخيل مُعاناة حصاد المياه من ذلك العمق. كانت القرية تعتمد اعتمادا كاملا على هذا المصدر واظن ان العِد الصغير ( عِد شرف الدين ) الى الغرب من موقع البير الحالى كانت قد جفت ينابيعه وربما كان عمقه فى حدود عشرين راجل.
فى واحدة من حملات هيئة توفير المياه فى سعيها الدؤوب فى مكافحة العطش بالسودان كانت الدوحة من القرى المحظوظة التى حازت بموقع بير فى برنامجها ولا ادرى ان كان ذلك نهاية الخمسينات او بداية ستينيات القرن الماضى.
جاءوا الى القرية بآلياتهم تلك وعمالها المهرة يرتدون الابارولات الما وسخ وعلى رؤوسهم طرابيش السعف للوقاية من سَموم نُص نهار الدوحة ونصبوا لنا بُرجا فى الوسط تقف اعلى هامته توربين (مروحة) ذات ريش تلتقط طاقة الرياح وتحويلها الى طاقة ميكانيكية وضخ المياه من باطن الارض الى الصهريج ومنه الى المواطنين. ويوجد على الجانب الاخر من التوربينة ما يسمى بالجناح وهو المسئول عن توجيه المروحة حسب وجهة الرياح وجعلها تستجيب لاى تغيير باعتباره قائد الاوركسترا.
لا ادرى كم كنا نستهلك من المياه فى تلك الفترة حيث الاسر اقلّ اتساعًا والحمامات قليلة والملابس غيار غيارين بالكتير والبهايم تعتمد على مياه التُرع.
مكعب الصهريج كان صغير الحجم وتتدلى منه ماسورة لتصريف الفائض وتنتعش على جانبى البير الاعشاب ونبات العوير (فعلا اسم على مُسمّى) ذو الوردة البنفسجية وفى قاعها تستكين حشرة ذات طنين وبعضنا كان يطرب لها.
الى الشمال من الصهريج توجد صبّة (مسطبة )من الكونكريت عليها اربعة صنابير (مواسير) ضخمة اثنتان من جهة الشمال واثنتان فى الجنوب وكان ضغط الماء جيدًا. تسمح هذه الاُميّة لملء اربعة من المواعين فى وقت واحد. يصطف الواردون على اطراف المسطبة والكل فى حالة توتر وتدافع اشبه برمى الجمرات. كان العم عمر ود ام الحسين عليه الرحمة اكثر الناس صبرًا لانه يملك خُرُج يسع ٨ صفايح وغالبا ما كان يتدخل فى فض النزاعات بروحة السمحة ودعابته الرصينة.
الحاج والتومة حسان كانا من المشاغبين فى هذا المشهد عليهما الرحمة ينتظران دورهما فى قلق بائن وكانت الشفرة (التومة حسان خليك عضلية).
الضو ود حنينة وعثمان اخوه كانا على الطرف الاخر من ميزان الشغب ، كانت الارواح متحابة وتتحول كل هذه المدافرة الى حكاوى الدواوين فى الأمسيات وتفرهد المُزح ابد الدهر. عليكم الرحمة يا من غادرتم وتمام العافية للاحياء.
عبدالله التوم حسن
بريطانيا
١٩ يناير ٢٠٢١

No comments:
Post a Comment