About Me

My photo
I was born in Aldoha village in Sudan in the mid 1950s.Aldoha village is about 18 Km west of Haj Abdalla.I'm an economist by training educated in Sudan and the United Kingdom.Married with three kids,a girl and two boys.Linving in Manchester UK.

Tuesday, 9 July 2024

 الهادى بتاع الدوحة ذلك اللغز

هكذا يُطلق عليه او يُسمّونه أهل القرى من حولنا الهادى بتاع الدوحة. 

حملته أمه وهناً على وهن ثم وضعته بشراً سويا. نشا نشأة غير طبيعية مقارنة باقرانه فمثلا لم يكن له أنداد طفولة يلعب معهم او يأنس لعشرتهم وكان "يرغل" الغنم يحلب من الضرع مباشرة على فمه دون المرور على كورة او ماعون ويدندن طوال الوقت او عاضا على العضلة فى مؤخرة ابهامه وترى اثر اسنانه بارزا عليها. وفى بواكير طفولته زارت أمه الشكينيبة والشيخ العارف بالله عبد الباقى المكاشفى (أب عمر) المولود بقرية ود شنبلى شمال غربى سنار كان حِلٌّ بهذا البلد قبل ان ينتقل الى تلك الموعودة فى أوائل ستينات القرن الماضى.

أذّن مؤذن ان العيد بالشكينيبة والشيخ الحسين ود على هو من يقوم بإعلان ذلك بضرب النوبة (ضربا فتانُّ  وترنُّ) وبخور اللُبان عاكل بين فتلات نسيج ثيابه المصنوعة من الدمورية توب ، عراقى وسروال اب تِكّة حتى تكاد ان ترى سبايب الدخان يخرج منها ، وهذا الشيخ الجليل من حوارىّ ابونا المكاشفى. وصلوا الى هناك قبيل صلاة عيد الفطر ، أقاموا الصلاة ثم تلتها مواعيد الزيارة. الشيخ جالس على فروته والنَّاس من حوله يشكون حوائجهم وينتظرون فاتحة تعينهم على نوائب الدهر.

جلست والخوف بعينيها وقالت يابا أدينى فاتحة لى ولدى دا ثم ناولت الخالة زينب بت عباس ود الجوف الطفل لابونا الشيخ. 

اخذه الشيخ بين يديه تمعنه ثم قال: "والله انت يا المخلوت لو ما شوية كدى من الممكن ان يسطع نورك ويُغطى مساحة أوسع". هكذا افادت ست نور بت رهودة وكانت من الحاضرين. شربوا من ماء الحفير وغرفوا من طينها لعلاج البُرجُم وامراض اخرى ، انتهت الزيارة وعادوا الى قريتهم سعيدين فرحين.   

اسمعوا ماذا قالوا عن الهادى: 

روى احدهم فى يوم ماطر من ايام الخريف شوهد الهادى يخوض مياه السيل ويتبادل الحديث مع شخص اخر ولا وجود لهذا الرفيق المُتحدّث معه ، وبعد قليل سمع الراوى ارجع يا الشيخ بانقا على لسان الهادى وكأنه يقول سعيكم مشكور فقد وصلت الى ديارى بالسلامة. 

له علاقة خاصة بالقباب وشيوخها ، قبة الفكى اُمحُمد ود محمد نور العركى المدفون بجوار قرية القصيراب ، ضريح الشيخ بانقا الضرير المنطرح الجاب الطريق بالضبح ، وبنايا الشكينيبة. 

اسماء يرددها الهادى فى صباه ،  موسى ود دقس 

الضو ود الشاش ، حليمة بت أب دقوشة ، الشيخ يعقوب.  

كثيرون يرددون انهم تركوه وراءهم فى أسفارهم  مع قلّة وسائل النقل آنذاك ثم يجدونه أمامهم فى الاسواق وأشباه المدن تاركا حيرة كبرى فى اذهانهم. 

يرتدى عراقى الدمورية والدمورية فقط طول حياته ذو الجيب على اليمين (جيب الساعة) وبإمكان هذا الجيب ان يسع ساعة بِق بن بحالها. لم يشاهده احد يدخل حماما لقضاء حاجة او مِستحما من عناء سفر او مزيلا لاوساخ عالقة بالجسد ولا تشم منه رائحة عرق. لهذا العراقى ترزى معروف عندنا ويفضّل الدمورية من تاجر القطاعى التوم ود عبدالله ود نصر. واظن ان طوله ما بين التسعة والعشرة اضرُع.  

عند الولائم تراه جالسا على مائدة عليّة القوم ويزدرد اللحوم وفى صغره كان من محبى المدوَّر.  يحفظ قصصا مكررة ابطالها احياء ومنهم من غادر ويرويها بدراما كاملة فى فن التقليد. 

قابلته موخرا وقد ترهّل جسده وأصبح يتحرك او يمشى بصعوبة وتساقطت أسنانه بالكامل واذا سألته ما سبب ذلك أجابك ( اكل اللحم الحار )ويواصل فى سرده لمن حوله غير آبه. 

اذا مدح اطرب على قلة حفظه للمديح ، له مدحتان يرددهما كلما طلب المستمعون ، يا منادى ل مهّال مكاشفى القوم قايد الكُمّال او الطويل باعو الاُذنو سمّاعو مكاشفينا البرقو لمّاعوا. 

يعيش بيننا يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ويراه اخرون غير ذلك.


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

Wednesday, 31 August 2016

ميكحة ود اللمام

كنت قد شاهدتها اخر مرة قبل ثلاثة عقود او أنقص منها قليلا. وهى تتوسط ما يُسمى عند أهل الدوحة بالميع . والمقصود به تلك الاراضى التى تقع الى الشرق من القرية ويقوم بزراعته مطريا وكلاء المُلّاك او غيرهم بعد الاتفاق على الشروط منها على سبيل المثال الشراكة او دفع ( الدُقُندى ) رسوم او ريع بسيط يُدفع نقدا للوكيل.
الاراضى المعنية مسجلة فى سجلات الاراضى باسم اولاد عبد اللطيف ، الناظر فحل ود ابراهيم والعمدة ود اللمام عليهم جميعا الرحمة.
روى مُحدثى ان الشدرة من صنع الإنجليز ، اى هم من قام بزراعتها ورعايتها واعتقد انها لا تنتمى الى اى من أسر أشجار البيئة المحلية بمعنى ان أنسابها من مكان ما. اصبح للشدرة أصل ثابت وفروع وظل ممدود لا مقطوع ولا ممنوع وتفصل بين الحواشات والاراضى التى تليها والمملوكة ملكية خاصة .
فى الماضي كانت تشبه أشجار الحراز ( المحارب المطر ) تراها مُجدبة فى فصل الخريف وزاهية مخضرّة فيما عداه.
كانت الشدرة تتوسط جدول زياراتي المزدحم فى رحلة السودان عام ٢٠١٣.
زرتها قبيل مغيب الشمس مستصحبا ملفها القديم فى ذاكرتي اهم ما فى هذا الملف انها ماوى لافاعى قاتلة ووكرا للشواطين ( رأى بعضهم كِيفا جمع كيفة تتدحرج منها بُعيد زوال الشمس ويقال نفس الشىء عن شدرة الدعول فى وسط القرية ) والشكر موصول لهذه الأسطورة لانها حافظت على بقاء هذه الواحة فى وسط صحراء الميع.
( كبرت كُراعى من الفرح نص فى الارض ونص فى النعال ) ما هذا الذى أراه أمامى شجرة لا ككل الأشجار ، خضرة لا تجد لها مثيل الا عند شجيرات الزيتون النابتة على شواطىء البحر الابيض ، وفروع مسدلة كضفاير حسناء فى ميعة الصبا وهنا تذكرت قول الشاعر كاظم الحجاج ان النخلة العاشقة تُسدل شعرها على الذكر لكى تنجب منه وان لم تنجب قطعوها غسلا للعار.
تقدم الى خطوبتها نَفَر من الانس طالبين الامساك بيدها فهلّا تفضلتم ال ود اللمام بالموافقة والعاقبة عندكم فى المسرّات.
عبد الله التوم حسن

إنجلترا
نوفمبر 2013
قاطرة البُخار يناير ٢٠١٦
فى احدى ليالى شتاءه الباردة اعنى يناير وفى ساعات صباحه الاولى سمعت صفيرا لقاطرة تُوت تُوت أشبه بصوت مشروخ به (عُشراقة) لفت انتباهى وحلّق بى بعيدا الى عوالم كنت قد ألفتها والفتنى. وعلى قضبان السكة الحديد تسمع إيقاع عجلاتها كرر رب كرر رب كرر رب. دقا دق  دقا دق دقا دق. 
كانت القاطرة وهى عابرة تنفث سحائب من جوفها أشبه بالعفرت فى عينة الطرفة البكّاية وهو ينتقل من جهة القِبلِى الى الصعيد فى خريف أقلّ ما يقال عنه انه خريف الرازّة. هناك انداية فى البُطانة بهذا الاسم مملوكة ل خريف الرازّة والدقلولة يرتادها بعضا من صعاليك البطانة الشهيرين (همباتة) امثال الطيب ود ضحوية وطه ود أب زيد البُطحانى (طه الضرير). واظن ان الحاردلو صاحب المُسدار يغشاها فى ترحاله الدائب بين القضارف ورفاعة ( السبب الخلانى العيد هناك ما احضروا ) . تقتات قاطرتى من نار وقودها الحجارة وتحول ما فى أحشائها الى بخار دافع. ما زالوا يحتفظون بنماذج منها تذكيرا لهم بمجد الثورة الصناعية وسيّدها البخار . جالت بخاطرى اطياف وصور عدة كان من بينها فضل المولى زنقار وهو مُحرّك هذه القاطرة ويدندن من بف نفسك .... وزى ما شِلتو جيبو يالقطار. مُغرّدا بذلك اللحن الشجى المُدرّب على يد رابحة التُم تُم . انها الاقدار رمت بِنَا بعيدا يا فضل المولى دون ان تكون لنا إرادة فى ذلك. اننا على وشك ان نلملم أطرافنا فهلّا تمهلت قليلا لنصعد معك فى رحلة الاوبة ؟؟؟؟ 
وردى بمنزلنا الكائن.  
الحلقة الاولى. 
قالوا وردى جا بريطانيا ونازل مع واحد من اولاد أهله فى لندن يعمل فى احد المجالس المحلية فى تلك المدينة المهيبة وقديما يُقال فلان سافر لندن اما ان يكون رجل اعمال (تاجر) من أمثال ناس ابو العلا والشيخ مصطفى اللمين ، او صاحب سلطة كالسيد عبد الرحمن وبعض زعماء العشائر كالناظر على التوم ناظر عموم كبابيش او عمك بابو نمر ناظر المسيرية ( الزُرُق ) العجايرة ، مبعوثا من الخدمة المدنية ، (اولاد التِجّار للدراسة) او طبيبا يجرى وراء الزمالات المعروفة ، اما ناس قريعتى راحت لا مجال لهم خارج حدود المليون ميل. 
فى ديوان حاج عمر يلتقى أهل الفريق فى حصاد اليوم يتسامرون بين الجد والهزل وأحيانا يتباهون بمغامرات سفرهم بين مركز السودان وأطرافه المتباعدة فيقول احدهم انا الشايف بِركة العجب ويقول اخر انا مشيت خور برنقا. على ود جاد المولى كله اذان وفى حيرة من أمره وعلى الفور تناول الحديث مُعلّقا ها ناس والله انا ، الله يبارك دى ما شفتها وكان يقصد الحوش القريبة منه. 
جرت استعدادات استقبال الحدث الكبير فى المدينة  التى أعيش بها وهو وصول الفنان محمد عثمان حسن وردى ليقيم حفلا ترفيهيا للطلاب السودانيين وكنت وقتها رئيسا لرابطة الطلاب بمدينة مانشستر الكبرى ، ومن يلف فى دوائرهم الضيّقة من بنات وأبناء الجاليات الاخرى.
انفرد بغرفة فى الطابق الأعلى من المنزل وأصدر اوامره وتوقيتاته الصارمة منها على سبيل المثال أوقات الراحة وأوقات الوحى والإلهام (التلحين). وما علينا الا السمع والطاعة ، ونجتمع على موائد الطعام. عند استقبالى له بمحطة بيكاديللي ، سكك حديد المملكة المتحدة سألته متى تناول اخر وجبة اجاب على الفور وبطرافته المعهودة ( انا تناولت وجبة من التركين قبل قليل وهذه تكفينى مؤونة يوم كامل فى بلادكم الباردة هذه ).  
أقام حفلا أسطوريا أمّه حجيج أيّما حجيج ، شى سودانيين ، شى افارقة ، شى عرب شرق أوسطيين واحباش وكانوا اى الاحباش يقولون لنا انه إثيوبي ضَل طريقه إليكم او قل هو احد بقايا حُكَّام مملكة أكسوم التى حكمت ارضكم بعد مملكة مروى . ومن بين عازفى فرقته شباب أنجليز على الساكسفون والات موسيقية اخرى ،  اولاد (يجيبو الشمس من وكر الأجل). 
كان دائماً يأكل مما يليه غير شره فى تناوله للطعام ويحب الاطباق السودانية الشعبية ( قراريص وتوابعها من اللواييق ). لا يميل الى الحديث اثناء تناول الطعام الا بالقدر اليسير. 
حكى لنا انه تعلّم العزف على آلة الطنبور فى بواكير صباه على يد مُعلّم اسمه عبد الوهاب من المناصير وحسب وصفه له انه رجل فارع الطول ينفرد بشارب مفتول اقل طولا من شوارب الفنان النعام آدم وفنجري كمان  وعند سماع اسمه (عبدالوهاب) فى راديو هنا ام درمان فى احدى لقاءات وردى شد الرحال الى الخرطوم لملاقاة القمر (عندما يولد فى الشرق القمر ، يترك الناس الحوانيت ويمضون زُمر لملاقاة القمر) ، استقبله وردى بمنزله بضاحية الكلاكلة واكرم وفادته. 

الحلقة التانية.
حلقات الانس كانت متنوعة وذات موضوعات ثرّة ومتجددة تجدُد الليل والنهار ( وردى وتثقيف الذات ) ، كان عليه الرحمة معجبا بأنطونيو قرامشى ومذكرات سجنه الشهيرة على ايام إيطاليا الفاشستية والتى تعتبر من أفضل إضافات الفكر السياسي فى القرن العشرين  والتى تاثر فيها قرامشى بمفكرين غير ماركسيين أمثال نيكولو ميكافيللي ، وجورج سوريل. وكان يرى اى وردى فى قرامشى انه اكثر ثورية وابعد نظرا من لينين.
دعانا الفنان التشكيلي الاستاذ احمد سيد احمد لامسية بداره العامرة دائماً لتناول طعام العشاء وفى ذيل دعوته كانت هناك عبارة والعاقبة عندكم فى الافراح والليالي المِلاح ولم ندرِ ان ليلته تلك كانت إحداهن. 
تجمّع حول هذا الساحر خليط من الناس ومن بين هذا المزيج نسوة تعرفن على بعضهن البعض فى احدى دور العبادة (كنيسة) بالقرب من مكان سكنهن وكُنَ فرحات تكاد تضيق الغرفة بهنّ من شدة الفرح (اظنه الفرح البعذِّب سيدو) بلقاء فنان افريقى فى سُمرة قارته الام. قُمن باداء بعض الترانيم ووردى من خلف يتطلّع.  
تناول وردى الحديث عن الترانيم التى غناها السيد المسيح وحوارييه فى طقوس الصلوات كما ورد فى العهد الجديد والتى تختلف عن المزامير الواردة فى زبور داوود وأضاف ان بعض هذه الترانيم يرجع تاريخها الى القرن الرابع الميلادي وما يزال يغنيها الرهبان فى الكنائس الكاثوليكية.وفى بدايات القرن السادس عشر مع مجيىء المجددين البروتستانت عملوا على احداث كثير من التغييرات الهامة منها ترجمات هذه التراتيل من الإغريقية واللاتينية الى لغات يفهمها عامة الناس وكتابة الترانيم بقوافي وإيقاعات  شعبية سهلة الحفظ والاداء. 
لقد دُهش الحضور من هذه الثقافة الموسيقية الواسعة وكان نموذج أغنية اقابلك فى زمن ماشى وزمن جايى وزمن لسع وإيقاعها الأقرب الى موسيقى الريقي بمثابة صحن الحِلو ال بعد العشا.   
ساله احد الحضور عن ألحانه هل ناتجة عن موهبة ام ان له تكتيكات يوظفها خارج هذه الموهبة الفذّة ؟ 
اعتدل فى جلسته ثم اجاب ان بعضا من شعرائه يكتبون شعرا مُلحّنا خارج إيقاعات الخليل بن احمد الفراهيدى ( ضابط إيقاع الشعر )  وأمثال هولاء يجعلون من الألحان مهمة ليست بالشاقة وضرب مثلا بالتجانى سعيد صاحب ديوان قصائد برمائية. وأضاف ان من تكتيكاته الخاصة بناء هيكل الايقاع الخاص بكل أغنية ( تُم تُم ، دليب ، جيرك ، دلوكة ، روك اند رول ....) ثم يقوم بطلاء الجدار بالالوان الزاهية والألحان الشجيّة وإذا هى تمشى بيننا جيلا بعد جيل
روى لى انه فى طريق  عودته من حفل أحياها فى مدينة كوستى مستغلا باخرة نيلية من هناك الى الخرطوم ( يا سُماعين هذا إبحار مع التيار ضد الأسكلا وحلا ). فى الدويم وأثناء وقوف الباخرة لإنزال بعض من ركابها وصعود اخرين جُدُد قرر ابو الورود النزول الى المُشرع لشراء مجلة هنا ام درمان وكانت المفاجاة قصيدة الطير المهاجر فى الصفحة الاخيرة من المجلة للشاعر صلاح احمد ابراهيم احد رواد مدرسة الغابة والصحراء الأدبية. عاد الى الباخرة وأطلقت الباخرة صافرة المغادرة. قرا وردى القصيدة عدة مرات وبالقرب من منطقة جبل أولياء كانت القصيدة لحنا سلسبيلا. 
تم توزيعها اخيراً اثناء وجوده فى امريكا فى استديوهات سونى بكاليفورنيا وكأنك تسمع ل جيمس لاست.

خاتمة
قضى بيننا اياما معدودة وترك فينا كنوزا من المحبة والذكرى ، تجولنا خلالها فيما يحمل من معارف ومواهب  وكانت الموسيقى والفن جوهرتا التاج. يقولون ان الموسيقى هى شفرة الطبيعة ووردى كان شفرة موسيقى السودان وبصمته للقارة الافريقية وخاصة حزام السافنا جامع المحيطين الهندى شرقا والاطلسى غربا. 
مع كل أغنية وكل لحن من ألحانه هناك رواية وحالة وجدانية خاصة. ذكرت له الشاعر محمد حسن دكتور أمسك بالعود وضع خده على الحافة ونقرش  
اماسى الغربة. 
يا اماسى الغربة فد يوم فرحينا 
شيلى دمعات الاسى وما توجعينا
يا اماسى الغربة كم فى الغربة بالآهات نقاسى 
ياما وصينا المسافرين كان يلاقوا عيون مراسى 
فى الهجير ... يمكن تلاقيهم ضفيراتهم شماسى
يا اماسى الغربة .... شيلى جرتق عديلنا 
 لى تراب بلدى سواقيها ونخيلنا 
للجزاير الواصلة خيرنا وفاصلة نيلنا 
وللحليوة الفى العيون ... كانت تلولينا وتشيلنا 
مهما طال يا شوق ... فيك غيابنا وليل رجوعنا 
وبرضوا راجعين للديار الحلوة ... تفرح لرجوعنا 
يفرشوا الحِبان رموشهم ... فوق دروبنا 
والأماسى الضايعة ... بتعود لرجوعنا 

نتلاقى عند الدايم.

Friday, 29 November 2013



يوميات  داية حبل  (آمنة بت على ود البشير الكنانية مثالا)

1-   الجغرافيا

لمن لا يعرفنى أنا آمنة بت على ودالبشير ود عجب الفية ولن أخوض معكم كثيرا فى من هو أبى ومن هو أبى لأبى وعليكم قراءة كتب التاريخ وخاصة كتب تاريخ السودان ابان فترة الدولة المهدية ونهايتها المعروفة عندكم فى معركة كررى وواقعة ام دبيكرات التى فتحت عهدا جديدا لما يسمى بالسودان الحديث تحت ادارة الحكم الثنائى. ولدت بقرية البسابير من أم تسمى الرسالة بت ركابى والبسابير من قرى ريف وسط السودان وتوجد بينها - علائق مشيمة ورحم -  بباسابير شمال السودان ولى عدد من الأخوة والأخوات أكثرهم أنصاف اخوة وأخوات من والدتى ومن والدى كذلك. تترعرعت بتلك القرية وقضيت بها سنى شبابى الغض وسط قوم ذوى قربى و تربطهم سبل كسب العيش الكريم كزراعة البلدات المطرية وقليل من الحرف اليدوية وكم كانوا سعيدين بالمقسوم كما يرددون ولهؤلاء الناس روح دعابة لا تناطحها الا تلك التى تتمتع بها فرق الكوميديا عندكم.

تقدم لخطوبتى وأنا دون العشرين ربيعا ابن عمى الشيخ آدم محمد ابراهيم عجب الفية وهو رجل بسيط لا يخلتف كثيرا عن جيله يشغتل بالزراعة ولكنه تلقى تعليما نظاميا فى مرحلة الكتاب (المرحلة الأولية) ولم يحالفه الحظ فى صعود سلم التعليم الى ما بعد تلك المرحلة لأسباب تدركونها.

جاء شيخ آدم من قرية مجاورة تقع الى الشرق مع انحراف قليل الى جهة الجنوب من قرية البسابير مراعى طفولتى ومراتع صباى لا أدرى لماذا اختاروا تلك البلدة كوطن صغير لهم ويقال لها الدوحة. فيما سمعت كان يقال لها الخزينات وبعد ذلك دوحة بت هاجى والدة الشيخ الجليل عمر ود جبرين شيخ القرية فى ظل النظام الأدارى الأهلى وقتذاك تحت عمودية العم عوض الكريم صالح (من أهالى قرية بنات بشر) وتظلهم جميعا نظارة العم فحل ود ابراهيم عليهم وعلينا جميعا الرحمة. المؤرخ محمد النور ضيف الله (1727 – 1810) ذكر اسم الدوحة فى مؤلفه الخاص  بتراجم مشايخ الصوفية ، مكوك وشعراء السلطنة الزرقاء المسمى الطبقات لا شك أنكم على علم به.

 كنت فى غاية السعادة كبنات جيلى من زيجة ابن عمى ورزقنا عددا من الأولاد والبنات منهم المهدى ، ادريس والويحيد المنسى ولأسمه دلالة على فقد فلذتى كبدى ادريس والمهدى وهما فى طفولتهما الباكرة ولى من البنات عشة والوسطى آسيا والصغيرة زينب. رحل عن داركم الويحيد وأخته آسيا بعد رحيلى فى عام 1967 وهما الآن برفقتى فى عيشة راضية بما ثقلت موازينهم و عشمى أن تشملهم رحمة ربى التى وسعت كل شىء.

توجد بالمنطقة مدرسة واحدة للبنين بقرية فحل المشهورة بفحل الشايقية وشفخانة للتداوى وقد عاصرت حكيمها المعروف على نطاق بوادينا وتسمونه المساعد الطبى عبد المولى وقد كان هذا الرجل على صفات نادرة أقصد صفاته المهنية ، الأستماع للمرضى وشمول أسئلته واهتمامه الفائق بالهايجين (النظافة).كان عند دخوله لديار المرضى يبدأ بالتوجيه والنقد المر لمستوى النظافة العامة بالدار بدء بالزير وخمارة العجين وكان يعتقد أن الماء ومواعين الأكل هى عنوان الصحة العامة للناس. هل ما زال أمثلة هذا الرعيل بينكم فقد غبت عنكم ما يقارب النصف قرن؟

لم تكن هناك مدرسة للبنات كانت أمى تحدثنى وأنا أصغى باهتمام بالغ عن مدارس البنات البعيدة فى رفاعة وأم درمان ولم يكن باستطاعتها أن ترسلنى الى هناك لكن اعجابها لم ينقطع عن بنات تعلمن وأصبحن بمثابة الجويهرة تلك المخلوقة (الحشرة) الصغيرة التى نطاردها فى طفولتنا فى عتمة ليالى الخريف المرعب  وكان البعض يظفر بها ويدخلها البخسة لجلب مزيد من الخير وخاصة الحليب وكانت أمهاتنا يقلن لنا أن اللبن يجلب سرايح البخت.

2-   كيف دخلت الى عالم التوليد

أنا هاوية أكثر منى محترفة ولو جاز لنا أن نطلق كلمة داية حبل محترفة لكانت الأخت نورة بت أب ريدة (والدة أمحمد ود معروف) عليها الرحمة وأنار الله قبرها ، كانت داية حبل محترفة بالدوحة وأنا من بعدها ان اعتذرت أو كان لها طارىء وأحيانا قد يكون هناك أكثر من أمرأة فى حالة مخاض واستعداد للولادة. كلانا لم يتلق تدريبا فى معاهد متخصصة فى التوليد ولكن كانت تلفنا وتدفعنا حالة ذهنية خاصة مرتبطة بمزاج وربما بركة كما كان يقال لنا. يطرق بابى مرسال وفى الغالب أمرأة فى منتصف العمر وذات علاقة لصيقة بالحامل أو ربما احدى النساء الوقورات لرفع شأننا كدايات وتقديرا لدورنا ، لا يرسلون صغار السن أو غير الرزينات. تقول على استحياء فلانة بطنا بتوجعا وربما تردف القول بى وجعا حار كناية عن حالة الطوارىء. على الفور أترك جانبا ما كان يشغلنى أرتدى ثوبى وأحمل الموسى والموسى أشبه بموس الحلاقين ذات الذيل المعقوف ولها غمد يحافظ على بريقها وحدتها وأقوم بغسلها بالماء وصابون الفنيك من وقت لآخر ، لم تكن لدى أدوات أخرى أستعين بها الأ سلاح ايمانى بأهمية الحدث وأن التراخى يعنى أن أختار بين الحياة أو الموت. على أن أسرع الخطى أو أركض ان دعا الحال.

يلتف حول المرأة لفيف من النساء لتخفيف آلام النفاس وأحيانا يرددن

يا حلال الحاملة من غلاما جاهلة

جبرين ناجى ربه وجا

حلاها الما بدور جزا

عند دخولى القطية أول ما آمر به أن يكون هناك متسع للحركة  ، مرور الهواء وتجديد الأكسجين ثم أقوم بربط الحبل على احدى ركائز القطية وعلى الحامل أن تجثو على ركبتيها وأبدأ بتحسس حركة الجنين فى بطن أمه ومن ثم درجة استعداد المرأة للوضوع.

 واجهتنا كثير من التحديات بعضها من صنع أنفسنا باسم انا وجدنا آباؤنا على أمة والبعض الآخر بعد خدمات التوليد الطبية الحديثة وكان مستشفى ودمدنى يبعد عنا مسيرة أربعة الى ست ساعات بعربة حاج طه ود أب دون عليه الرحمة.

أول ما أقوم به من فحص استعداد الجنين فى رحم أمه ، موقع الرأس وهل هناك توائم ومدة الحمل المتعارف عليها فى أيامنا التسعة أشهر.بعد اكتمال هذه العملية أقوم بتشجيع الحامل على الدفع بالجنين الى الخارج وسط  الصراخ العالى وترديد كلمة الله لى الله لى الله لى. وما هى الأ لحظات (ويطل الفجر على أجنح غيمة) سماع صرخة العائد الجديد للحياة وانطلاق الزغاريد التى تملأ الأفق معانقة حالة الوجوم السائدة وتبديدها الى حالة فرح غامر وتداول مبروك انحلت بالسلامة وجابت شنو؟.

 الحلقة الأخيرة

ظلت الأخت نورة تؤدى دورها فى تفانى الى أن فقدت بصرها مما أناخ مزيدا من أعباء التوليد على كاهلى فكنت أجوب الفرقان جيئة وذهابا وكم أنا مزهوة بذلك لا يرى على أثرا لضجر أو شكوى ، لم يمت على يدى طفل أو أمرأة طيلة فترة ممارستى لهذه المهمة الصعبة وهذا فضل واجب الشكر للمولى عز وجل. يمر أسبوع على حادثة الولادة وتأتى الى منزلى صينية حجمها بقدر استطاعة رب الأسرة وعليها كراع من اللحم الضانى أو الماعز وبجوارها التمر ، حلاوة ريا ، صندوق سيجاير برنجى على الرغم من أننى لم أكن من المدخنين عدد من صناديق صابون الفنيك لصاحبه عبد الكريم محمد السيد بشندى ومنقوش على الصينية اسم صاحبها على شكل نقاط محفورة بالمسامير. يتجمع حولى أحفادى ويتحلقون حول الصينية ينهشون منها ما يستطيعون وأشرسهم كان يوسف ود بتى عشة والمقيصيف ابراهيم ود المنسى.

نادانى منادى أن امرأة بفريق الحضور على وشك الوضوع ، دخلت الدار وبعد قليل غشيت بصرى سحابة كنت أظنها عابرة ثم انتقلت بعدها الى أعلى الدماغ تمتمت بالشهادة وأشهدت الجالسين عليها وقالت احداهن بتخافى يا أم المنسى من الموت؟ أجبت على الفور ما شايفنو على؟ تحول ذلك الفرح الى مأتم فاضت روحى لتلقى ربها راضية مرضية.

انطوت صفحتى وصفحة من كان معى فى رحلة التوليد عن طريق الحبل وبزغ فجر أم حقين (فحل) القابلة الجديدة المدربة تدريبا عاليا فى مهنة التوليد وكانت تسمى الداية القانونية أى المرخص لها قانونا. كانت على روحها الرحمة تلبس فستانا أبيضا قصير الأكمام ويتدلى الى ما بعد الركبتين بكثير وعلى الكمين شريط أزرق يلفهما بعد الكفة وقبعة توضع على الرأس من ذات القماش وعليها نفس الشريط بنفس اللون ، وكانت ترتدى ساعة اليد جوفيال بحجم اكبر من الساعة الستاتى وتتحدث الى الرجال بثقة ولغة أعلى من التى نتحدثها وتمازحهم.
أكثروا من الدعاء لنا وصدقاتكم الجارية تجد طريقها بسهولة الى موازين حسناتنا. قوموا الى سودانكم يرحمكم الله.

Friday, 29 March 2013


أُم التيمان

 كريمة عبد الفضيل ناصر

مايستروا الزار (الدستور) بالدوحة  

يُروى أنها دخلت البحر لمدة سبعة أيام وخرجت بالعلبة (الصندوق الأسود) مستودع أسرار الظاهرة التى راجت فى ستينات القرن العشرين فى أرياف السودان ومُدنه العديدة وما تزال بقاياها حاضرة الى الآن.
لكريمة عليها الرحمة شخصية أقرب الى شخصية الكُجُور يقف أعلى جسدها النحيل وجه صارم القسمات ٳذا شاهدتها مُبتسمة فأعلم أنك خارج ٳطار الزمان والمكان. ترتدى العراقى البلدى على بنية متماسكة لا يشتكى قصر منها ولا طولُ وتتدلى مفحضة من عنقها لتأكيد أُنوثتها وتفوح منها روائح البخور الغريب على الأنوف وٳيحاءات الذهن وليس يُدرى أصنعُ إنس لجن فعلوه أم صنعُ جن لأنس كوصف البحترى لأيوان كسرى فى سينيته. يكتنف شخصيتها غُموض أيمّا غُموض وأظن أن رواج صيتها يكمن وراء غُموضها ولا تنسى  فهى صهرة مادح الرسول (ص) قسم السيد أبو رجب ذو القلب الذى يسع الجميع والمواهب الفنية الفذة.

تبدأ الرحلة أى رحلة الأكتئاب ، الملل وهيمنة الذُكورة عند المريضة بتشخيص أن فلانة عندها جماعة وأحيانا يُشار ٳليهم بأولاد ماما مما يستدعى النُزول عند الزار ويبدأ الهمس بضرورة العلاج فى الطُمبرة.

يتقمّص روح المريضة واحد من عدة أرواح الريح الأحمر الشائعة وقتئذ هدندوى ، خواجة لندو ، بشير حبشى بشير ماما أو حاج ابراهيم عبد الله من البرنو. وتبدأ المريضة بالهذيان عند قرع الطُبول والأيقاعات الصحراوية البسيطة المكونة من الطبل ، الكشكوش ، المثلثات والطشت. وتستمر هذه الحالة الى أن تصل مرحلة النزول وتبدأ الكلام بلغة مُبهمة حسب المُتقمّص به.

أم التيمان يقع علي عاتقها ٳدارة الحلقة أو الطقس وغالبا ما تكون فى بناية مُغلقة تبدأ بالبخور والضرب على الأيقاع والأغانى المؤلفة من بيت أو بيتين وتراغب بحزم حركة من حولها وعلى يدها الخيدرانة أو السوط والخالة فولة ذات الصوت العذب تردد حاج ابراهيم عبد الله سلطان برنو أيا والله ،  ثم تعقبها بخواجة لندو البيرة عندو والسيجارة عندو والكل يُراقب المُصابة فى حركاتها وسكناتها ٳلى أن تفصح عن مخزونها من الطلبات  كالسيجاير ، العُطور ، الويسكى ، البالطو ، البرنيطة أو المصُوغات الذهبية.وعلى الزوج الأذعان التام للطلبات ويجيب بكلمة حاضر عند كل طلب. وقبل أن ينفض السامر لا بد من الكرامة وشرب فنجان من دم الخروف ٳيذانا بالمعافاة.