About Me

My photo
I was born in Aldoha village in Sudan in the mid 1950s.Aldoha village is about 18 Km west of Haj Abdalla.I'm an economist by training educated in Sudan and the United Kingdom.Married with three kids,a girl and two boys.Linving in Manchester UK.

Tuesday, 9 July 2024

 



وداعاً خالى السر 

هو حالة بين السر والجهر.يحمل أسراراً عميقة فى محيط جوفه الواسع وجهرا للغاشى والماشى. جدى عبدالرحمن بخيت والد السر متزوج من بت حاج العاقب (زينب) امرأة تنطوى هى الأخرى على سجيّة وفطرة نقيّة وربما أسرار وعند ولادة ابنها السِر من بين اخوان ، بشير ، عبدالقادر (تنقو) ميرغنى ، فاطنة والحُب نعم الحُب بمعناه المباشر  أصرّت على اسم السِر لماذا لستُ أدرى! 

عاش منذ بواكير شبابه فى حزام الزراعة الآلية الممتد من القضارف شرقاً وهناك فى القضارف بدأت التجارب الاولى للزراعة بالآلة منتصف أربعينيات القرن العشرين فى قطاع ما يُسمى بالسهول الطينية الوسطى فى خاصرة السودان ثم مرورا بالدالى والمزموم ، الرنك ثم يسافر غربا مارّا بهبيلا جنوب كردفان وينتهى عند تخوم جنوب دارفور والحزام عبارة عن مطمورة غذاء اهل السودان. 

جدى عبدالرحمن ود بخيت والد السر من اوائل التُجّار الذين استقروا فى مناطق تماس شمال السودان مع جنوبه حول مدينة الرنك (بِركة العجب) ومعظم اهلها من قبيلة الشُلُك وآخرين. 

كان خالى السر يحدثنا حديث العارف عن نمط الزراعة شبه الآلى فى مشاريع الرنك المملوكة للقطاع الخاص منهم تُجّار معروفون وسياسيون وشوية أفندية.يحكى بهدوء وسلاسة تتخللها قفشات وابتسامات على خفيف واحياناً ضحكات من مركز الصدر ونادراً ان تسمعه يضحك من حنجرته. 

هاجر إلى هناك منتصف ستينات القرن الماضى ووقتها كان يمتهن حرفة تفصيل وحياكة الملابس الإفرنجية وعلى أيامهم كانوا يصنفوهم ب ترزى بلدى (جلاليب ، عراريق وسراويل) وترزى افرنجى (بناطلين ، أقمصة وبِدل). 

كُنّا نسمع عنه وعن نجاحاته فى كل من الرنك وملكال متنقلاً على بابور الأسكلة والرنك احتفل ببهاك يا خال. هجر حرفة الخياطة ورمى بثقله هذه المرة في الزراعة. 

كان يشكوا مُر الشكوى من ضعف اداء زراعته لأسباب كثيرة وعلى رأسها سياسات الدولة الكلية والقطاعية غير الجاذبة للاستثمارات فى قطاع الزراعة ولأنهم كمزارعين فى سباق مع الموسم. 

يواصل خالى السر حديثه عن ضعف استخدام التقانات الحديثة وقضايا التمويل المعقدة ومدخلات الإنتاج الأخرى. كان عليه الرحمة يتحدث فى هذه الموضوعات بعمق وعين فاحصة واحيانا لا تخلوا من سُخرية وروح دُعابة. 

كان دائما يختم حديثه عن تجربته الثرّة بقوله عليكم الله سووا لينا طرق سالكة كل العام ومصادر موية خاصة بعد الخريف واوصيكم خيرا بهذا الجزء من الوطن. 

ذهب الجنوب بما فعلت ايدينا وها هو خالى السر يلحق به إلى دار الخلود.

المنسى ، حاجة عشّة واسيا اولاد الكنانية فى انتظارك بعد ان تكمل إجراءات الدخول إلى جنة عدن وهم فى ارائك على اليمين من المدخل. 

تعازينا ل آل بخيت ، آل الشفيع و آل بت على الكنانية كلهم ل بت ركابى وبت ركابى من تراب. 


عبدالله التوم حسن 

إنجلترا 

اول أبريل ٢٠٢٤ 

  

التومة حسّان خليك عضلية

من مأثورات الحاج ود حسان


كانت البير هى مركز الكون لمواطني الدوحة وخاصة نسائها وهى كذلك وتقع موقع القلب من القرية. 

يوجد بالدوحة مصدران للمياه عبارة عن عِدّين وكلمة عِد تعنى عندهم جمّام او سرف وهو عبارة عن منخفض فى اعماق الارض تتجمع فيه بحيرة صغيرة من المياه الجوفية ويعمل المواطنون على استخراجها بوسائل عده اهما الدلو (قطعة من الجلد فى شكل قُمع يُربط على حبل مصنوع من القطن بطول عمق العِد. للعِد طقوس منها ضرب القرن للتكحيل عند جفاف الينبوع ويوجد اناس متخصصون فى هذا الفن ويقال ان العِد الكبير مسكون ويُعشعش فيه طائر البُوم. ولكل عِد كُنجارة عبارة عن معلاق فى حال انقطاع الدلو قبل اتمام الرحلة الى الخارج وعليه تلك الموية الربوب. 

كلنا نعلم ان العِد الكبير يقع الى الجنوب الغربى من مسجد القرية الكبير على بُعد امتار  ويقال ان طوله ٣٠ راجل واذا افترضنا ان متوسط طول الرجل ١٧٥ سم لك ان تتخيل مُعاناة حصاد المياه من ذلك العمق. كانت القرية تعتمد اعتمادا كاملا على هذا المصدر واظن ان العِد الصغير ( عِد شرف الدين ) الى الغرب من موقع البير الحالى كانت قد جفت ينابيعه وربما كان عمقه فى حدود عشرين راجل. 

فى واحدة من حملات هيئة توفير المياه فى سعيها الدؤوب فى مكافحة العطش بالسودان كانت الدوحة من القرى المحظوظة التى حازت بموقع بير فى برنامجها ولا ادرى ان كان ذلك نهاية الخمسينات او بداية ستينيات القرن الماضى. 

جاءوا الى القرية بآلياتهم تلك وعمالها المهرة يرتدون الابارولات الما وسخ وعلى رؤوسهم طرابيش السعف للوقاية من سَموم نُص نهار الدوحة ونصبوا لنا بُرجا فى الوسط تقف اعلى هامته توربين (مروحة) ذات ريش تلتقط طاقة الرياح وتحويلها الى طاقة ميكانيكية وضخ المياه من باطن الارض الى الصهريج ومنه الى المواطنين. ويوجد على الجانب الاخر من التوربينة ما يسمى بالجناح وهو المسئول عن توجيه المروحة حسب وجهة الرياح وجعلها تستجيب لاى تغيير باعتباره قائد الاوركسترا. 

لا ادرى كم كنا نستهلك من المياه فى تلك الفترة حيث الاسر اقلّ اتساعًا والحمامات قليلة والملابس غيار غيارين بالكتير والبهايم تعتمد على مياه التُرع. 

مكعب الصهريج كان صغير الحجم وتتدلى منه ماسورة لتصريف الفائض وتنتعش على جانبى البير الاعشاب ونبات العوير (فعلا اسم على مُسمّى) ذو الوردة البنفسجية وفى قاعها تستكين حشرة ذات طنين وبعضنا كان يطرب لها. 

الى الشمال من الصهريج توجد صبّة (مسطبة )من الكونكريت عليها اربعة صنابير (مواسير) ضخمة اثنتان من جهة الشمال واثنتان فى الجنوب وكان ضغط الماء جيدًا. تسمح هذه الاُميّة لملء اربعة من المواعين فى وقت واحد. يصطف الواردون على اطراف المسطبة والكل فى حالة توتر وتدافع اشبه برمى الجمرات. كان العم عمر ود ام الحسين عليه الرحمة اكثر الناس صبرًا لانه يملك خُرُج يسع ٨ صفايح وغالبا ما كان يتدخل فى فض النزاعات بروحة السمحة ودعابته الرصينة. 

الحاج والتومة حسان كانا من المشاغبين فى هذا المشهد عليهما الرحمة ينتظران دورهما فى قلق بائن وكانت الشفرة (التومة حسان خليك عضلية). 

الضو ود حنينة وعثمان اخوه كانا على الطرف الاخر من ميزان الشغب ، كانت الارواح متحابة وتتحول كل هذه المدافرة الى حكاوى الدواوين فى الأمسيات وتفرهد المُزح ابد الدهر. عليكم الرحمة يا من غادرتم وتمام العافية للاحياء. 


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

١٩ يناير ٢٠٢١ 














 


أبو الشينة (الكِرجة تعطيش الجيم)

 بين الجد والهزل 


ابو الشينة : سلام بت قمبو 

مرحب خلف الله

ابو الشينة : عندكم سُكّر ؟ 

أبدا والله لا بُن لا شاهى


كان يدير حوارًا مسرحيًا كاملًا مع ذاته. 


قال الراوى هو خلف الله ود أحمد ود برّى (البرياب من ود برّى).

يلتقى نسبه مع البشير ود عثمان فى أحمد ود بّرى ، عثمان والد البشير  وأبو الشينة أشقاء هو عم البشير ود عثمان حسب تسلسل شجرة العائلة. 

جاءوا كغيرهم أو قل نزحوا من شمال السودان مناطق الكتياب والجابراب ضواحى شندى ولا ندرى تاريخ هذه الهجرة الداخلية ان كانت عقب حملات الدفتردار الانتقامية ام بعدها كما تزعم كثير من روايات أهل السودان الشفاهية ويقال أنهم اهل علم ودراية بشئون الدين وانخرطوا فى تدريس القرآن والفقه بوسط السودان وانتشروا فى بواديه وقراه فى الحزام الممتد من سنجة ، سنار ، حوش ابّكُر ، مهلة وشبونة. 

تقول بطاقته الشخصية انه ولد فى تاريخ مجهول ولا يُعرف على وجه الدقة فى أى فصل من العام ولد لكنه ليس بالبدين ولا الهِويّن منقرص ، يُميّزه وسم على خديه (شلوخ) الرقم ميّة وحداشر او ما يعادل شلوخ المطارق عند النساء. يمشى منكفئا للأمام كأحدب نوتردام (كوازيمودو) للروائي فيكتور هوغو مع عرجة بيرونية. يمشى على مهل متأملًا تحت قدميه مخاطبًا نفسه ومتجاوبًا مع من حوله من الأحداث والسابلة على الرغم من حالة الذهول التى يعيشها.كانت له استدارة يؤديها عند المشى مع رفع الرجل اليمنى قليلًا ثم يخاطب مجهولًا قبَلَك ويواصل مسيره الى حيث يقصد وغالبًا ما تكون مزرعة العم البشير ود عثمان فى دبارة أعلى القوز الواقع بين الدوحة والقصيراب من الجهة الجنوبية الغربية للقرية. 

تزوج وأنجب بنتًا جميلة ويشبهونها كالقمر المُنير كانت حديث ومثار إعجاب الناس ويعيش فى بيت من اللبِنْ مكون من غرفتين وصالة وكان منزله من معالم حى آل جعل وقتئذ. عند الحفلات يُقال انه يدخل حلبة الرقص وسط الطمبارة ويضرب برجله على الأرض قائلًا وفخورًا أنا أبو السمحة. صعدت روح بنته الوحيدة الى بارئها وتركت فيه حزنًا عميقا تكاد تلمسه ومن حينها إنقلب على عقبيه وانطوى على نفسه وتحوّل إلى مقولة انا ابو الشينة ظنًا منه ان ذلك سيعود عليه بطيف من ملاكه الغائب. 

كان يجمع بين الحكمة والطرافة ومُلمّاً بما يدور فى الزمان والمكان ، يقول عن حى كنانة فريق بقارة قالها بعفوية عندما احتاج أحدهم الى (كُنجارة) وهى أداة من ادوات البحث عن دلو الماء المُنفصل عن حبله و المفقود فى قاع البير المحفور يدويًا(العِد) والذى يتم تكحيله من فترة لأخرى بعد ضرب القرن كصافرة إنذار مُبكر ورسالة كالتى يقوم بها النحاس وقتها كانت الدوحة تشرب من هذه العين الجوفية. سال احد السُقاة عن وجود كنجارة كان يحتاجها وقتذاك ، قال له ابو الشينة موجهًا ان يدخل فريق بقارة لأنه لا يخلو من حربة او كوكاب واجابته كانت تعبّر عن تلك الحقبة من تاريخ السودان ، نهايات حكم المهدية والفوضى التى عمّت بظهور الجهادية وكتلة سوق فحل والتى استشهد فيها جدنا الحاج جبرين راجل القفلات والمدفون بجوار الفكى امحمد العركى شرق القصيراب. 

سأله أحدهم مازحًا:

أبو الشينة هل عاشرت امرأة بالحرام ؟ 

الليمون تحت شدرة ود شعيفون وكانت الليمون ام السائل.

هكذا كانت إجاباته سرعة بديهة غير مُتكلفة وعفوية ، لا تصاحبها تعابير وجه او لغة جسد.  

كان للعم البشير ود عثمان ثلاث زوجات ، إحداهن بنت عمّه من آل برّى ، وأخرى من البيلاوى والعمّة رغية ( قصدت كتابتها بالغين وليس القاف لان أهلنا ينطقونها زى كلمة رقاق )بت المصطفى وكانت أبرهُنّ بأبى الشينة وكان يُحبها ويرى أنها أولى بالرعاية والعناية وقال قولته المشهورة " الدُولة تضوقا بت نيلة "

والمقصود بالدولة الهيبة والسلطان وبت نيلة هى العمّة رغية بت المصطفى ونيلة هى حبوبة رغية بت المصطفى من جهة والدتها نفيسة بت الشفيع. 

كان لديه إحساس متزايد بقيم العدالة والحاجة للحرية وكراهية الاستبداد.وكانت هذه أدقّ فيضانات المشاعر عنده مع التجارب وتأملات العقل المفقود فى تداعياته. 

ترك الكثير من الأقوال والمآثر وهاك أمثلة على ذلك

الصاقعة دى وقعت متين ؟ كان فى حالة استرخاء فى أحد مساجد سنجة وفجأة وجد أمامه ابن اخيه البشير ود عثمان كفيله ومتعهد رعايته. 

ومن أشهر اغانيه يا مهدى الله زمانو طابت يرددها بصوت أجش كلما كان عابرًا فريق بقارة إلى بلدات دبارة. 

عليكم الرحمة جميعًا وتركتوا فينا سودانا لن يتكرر. 


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

١٩ سبتمبر ٢٠٢٣ 




 الهادى بتاع الدوحة ذلك اللغز

هكذا يُطلق عليه او يُسمّونه أهل القرى من حولنا الهادى بتاع الدوحة. 

حملته أمه وهناً على وهن ثم وضعته بشراً سويا. نشا نشأة غير طبيعية مقارنة باقرانه فمثلا لم يكن له أنداد طفولة يلعب معهم او يأنس لعشرتهم وكان "يرغل" الغنم يحلب من الضرع مباشرة على فمه دون المرور على كورة او ماعون ويدندن طوال الوقت او عاضا على العضلة فى مؤخرة ابهامه وترى اثر اسنانه بارزا عليها. وفى بواكير طفولته زارت أمه الشكينيبة والشيخ العارف بالله عبد الباقى المكاشفى (أب عمر) المولود بقرية ود شنبلى شمال غربى سنار كان حِلٌّ بهذا البلد قبل ان ينتقل الى تلك الموعودة فى أوائل ستينات القرن الماضى.

أذّن مؤذن ان العيد بالشكينيبة والشيخ الحسين ود على هو من يقوم بإعلان ذلك بضرب النوبة (ضربا فتانُّ  وترنُّ) وبخور اللُبان عاكل بين فتلات نسيج ثيابه المصنوعة من الدمورية توب ، عراقى وسروال اب تِكّة حتى تكاد ان ترى سبايب الدخان يخرج منها ، وهذا الشيخ الجليل من حوارىّ ابونا المكاشفى. وصلوا الى هناك قبيل صلاة عيد الفطر ، أقاموا الصلاة ثم تلتها مواعيد الزيارة. الشيخ جالس على فروته والنَّاس من حوله يشكون حوائجهم وينتظرون فاتحة تعينهم على نوائب الدهر.

جلست والخوف بعينيها وقالت يابا أدينى فاتحة لى ولدى دا ثم ناولت الخالة زينب بت عباس ود الجوف الطفل لابونا الشيخ. 

اخذه الشيخ بين يديه تمعنه ثم قال: "والله انت يا المخلوت لو ما شوية كدى من الممكن ان يسطع نورك ويُغطى مساحة أوسع". هكذا افادت ست نور بت رهودة وكانت من الحاضرين. شربوا من ماء الحفير وغرفوا من طينها لعلاج البُرجُم وامراض اخرى ، انتهت الزيارة وعادوا الى قريتهم سعيدين فرحين.   

اسمعوا ماذا قالوا عن الهادى: 

روى احدهم فى يوم ماطر من ايام الخريف شوهد الهادى يخوض مياه السيل ويتبادل الحديث مع شخص اخر ولا وجود لهذا الرفيق المُتحدّث معه ، وبعد قليل سمع الراوى ارجع يا الشيخ بانقا على لسان الهادى وكأنه يقول سعيكم مشكور فقد وصلت الى ديارى بالسلامة. 

له علاقة خاصة بالقباب وشيوخها ، قبة الفكى اُمحُمد ود محمد نور العركى المدفون بجوار قرية القصيراب ، ضريح الشيخ بانقا الضرير المنطرح الجاب الطريق بالضبح ، وبنايا الشكينيبة. 

اسماء يرددها الهادى فى صباه ،  موسى ود دقس 

الضو ود الشاش ، حليمة بت أب دقوشة ، الشيخ يعقوب.  

كثيرون يرددون انهم تركوه وراءهم فى أسفارهم  مع قلّة وسائل النقل آنذاك ثم يجدونه أمامهم فى الاسواق وأشباه المدن تاركا حيرة كبرى فى اذهانهم. 

يرتدى عراقى الدمورية والدمورية فقط طول حياته ذو الجيب على اليمين (جيب الساعة) وبإمكان هذا الجيب ان يسع ساعة بِق بن بحالها. لم يشاهده احد يدخل حماما لقضاء حاجة او مِستحما من عناء سفر او مزيلا لاوساخ عالقة بالجسد ولا تشم منه رائحة عرق. لهذا العراقى ترزى معروف عندنا ويفضّل الدمورية من تاجر القطاعى التوم ود عبدالله ود نصر. واظن ان طوله ما بين التسعة والعشرة اضرُع.  

عند الولائم تراه جالسا على مائدة عليّة القوم ويزدرد اللحوم وفى صغره كان من محبى المدوَّر.  يحفظ قصصا مكررة ابطالها احياء ومنهم من غادر ويرويها بدراما كاملة فى فن التقليد. 

قابلته موخرا وقد ترهّل جسده وأصبح يتحرك او يمشى بصعوبة وتساقطت أسنانه بالكامل واذا سألته ما سبب ذلك أجابك ( اكل اللحم الحار )ويواصل فى سرده لمن حوله غير آبه. 

اذا مدح اطرب على قلة حفظه للمديح ، له مدحتان يرددهما كلما طلب المستمعون ، يا منادى ل مهّال مكاشفى القوم قايد الكُمّال او الطويل باعو الاُذنو سمّاعو مكاشفينا البرقو لمّاعوا. 

يعيش بيننا يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ويراه اخرون غير ذلك.


عبدالله التوم حسن 

بريطانيا 

Wednesday, 31 August 2016

ميكحة ود اللمام

كنت قد شاهدتها اخر مرة قبل ثلاثة عقود او أنقص منها قليلا. وهى تتوسط ما يُسمى عند أهل الدوحة بالميع . والمقصود به تلك الاراضى التى تقع الى الشرق من القرية ويقوم بزراعته مطريا وكلاء المُلّاك او غيرهم بعد الاتفاق على الشروط منها على سبيل المثال الشراكة او دفع ( الدُقُندى ) رسوم او ريع بسيط يُدفع نقدا للوكيل.
الاراضى المعنية مسجلة فى سجلات الاراضى باسم اولاد عبد اللطيف ، الناظر فحل ود ابراهيم والعمدة ود اللمام عليهم جميعا الرحمة.
روى مُحدثى ان الشدرة من صنع الإنجليز ، اى هم من قام بزراعتها ورعايتها واعتقد انها لا تنتمى الى اى من أسر أشجار البيئة المحلية بمعنى ان أنسابها من مكان ما. اصبح للشدرة أصل ثابت وفروع وظل ممدود لا مقطوع ولا ممنوع وتفصل بين الحواشات والاراضى التى تليها والمملوكة ملكية خاصة .
فى الماضي كانت تشبه أشجار الحراز ( المحارب المطر ) تراها مُجدبة فى فصل الخريف وزاهية مخضرّة فيما عداه.
كانت الشدرة تتوسط جدول زياراتي المزدحم فى رحلة السودان عام ٢٠١٣.
زرتها قبيل مغيب الشمس مستصحبا ملفها القديم فى ذاكرتي اهم ما فى هذا الملف انها ماوى لافاعى قاتلة ووكرا للشواطين ( رأى بعضهم كِيفا جمع كيفة تتدحرج منها بُعيد زوال الشمس ويقال نفس الشىء عن شدرة الدعول فى وسط القرية ) والشكر موصول لهذه الأسطورة لانها حافظت على بقاء هذه الواحة فى وسط صحراء الميع.
( كبرت كُراعى من الفرح نص فى الارض ونص فى النعال ) ما هذا الذى أراه أمامى شجرة لا ككل الأشجار ، خضرة لا تجد لها مثيل الا عند شجيرات الزيتون النابتة على شواطىء البحر الابيض ، وفروع مسدلة كضفاير حسناء فى ميعة الصبا وهنا تذكرت قول الشاعر كاظم الحجاج ان النخلة العاشقة تُسدل شعرها على الذكر لكى تنجب منه وان لم تنجب قطعوها غسلا للعار.
تقدم الى خطوبتها نَفَر من الانس طالبين الامساك بيدها فهلّا تفضلتم ال ود اللمام بالموافقة والعاقبة عندكم فى المسرّات.
عبد الله التوم حسن

إنجلترا
نوفمبر 2013
قاطرة البُخار يناير ٢٠١٦
فى احدى ليالى شتاءه الباردة اعنى يناير وفى ساعات صباحه الاولى سمعت صفيرا لقاطرة تُوت تُوت أشبه بصوت مشروخ به (عُشراقة) لفت انتباهى وحلّق بى بعيدا الى عوالم كنت قد ألفتها والفتنى. وعلى قضبان السكة الحديد تسمع إيقاع عجلاتها كرر رب كرر رب كرر رب. دقا دق  دقا دق دقا دق. 
كانت القاطرة وهى عابرة تنفث سحائب من جوفها أشبه بالعفرت فى عينة الطرفة البكّاية وهو ينتقل من جهة القِبلِى الى الصعيد فى خريف أقلّ ما يقال عنه انه خريف الرازّة. هناك انداية فى البُطانة بهذا الاسم مملوكة ل خريف الرازّة والدقلولة يرتادها بعضا من صعاليك البطانة الشهيرين (همباتة) امثال الطيب ود ضحوية وطه ود أب زيد البُطحانى (طه الضرير). واظن ان الحاردلو صاحب المُسدار يغشاها فى ترحاله الدائب بين القضارف ورفاعة ( السبب الخلانى العيد هناك ما احضروا ) . تقتات قاطرتى من نار وقودها الحجارة وتحول ما فى أحشائها الى بخار دافع. ما زالوا يحتفظون بنماذج منها تذكيرا لهم بمجد الثورة الصناعية وسيّدها البخار . جالت بخاطرى اطياف وصور عدة كان من بينها فضل المولى زنقار وهو مُحرّك هذه القاطرة ويدندن من بف نفسك .... وزى ما شِلتو جيبو يالقطار. مُغرّدا بذلك اللحن الشجى المُدرّب على يد رابحة التُم تُم . انها الاقدار رمت بِنَا بعيدا يا فضل المولى دون ان تكون لنا إرادة فى ذلك. اننا على وشك ان نلملم أطرافنا فهلّا تمهلت قليلا لنصعد معك فى رحلة الاوبة ؟؟؟؟ 
وردى بمنزلنا الكائن.  
الحلقة الاولى. 
قالوا وردى جا بريطانيا ونازل مع واحد من اولاد أهله فى لندن يعمل فى احد المجالس المحلية فى تلك المدينة المهيبة وقديما يُقال فلان سافر لندن اما ان يكون رجل اعمال (تاجر) من أمثال ناس ابو العلا والشيخ مصطفى اللمين ، او صاحب سلطة كالسيد عبد الرحمن وبعض زعماء العشائر كالناظر على التوم ناظر عموم كبابيش او عمك بابو نمر ناظر المسيرية ( الزُرُق ) العجايرة ، مبعوثا من الخدمة المدنية ، (اولاد التِجّار للدراسة) او طبيبا يجرى وراء الزمالات المعروفة ، اما ناس قريعتى راحت لا مجال لهم خارج حدود المليون ميل. 
فى ديوان حاج عمر يلتقى أهل الفريق فى حصاد اليوم يتسامرون بين الجد والهزل وأحيانا يتباهون بمغامرات سفرهم بين مركز السودان وأطرافه المتباعدة فيقول احدهم انا الشايف بِركة العجب ويقول اخر انا مشيت خور برنقا. على ود جاد المولى كله اذان وفى حيرة من أمره وعلى الفور تناول الحديث مُعلّقا ها ناس والله انا ، الله يبارك دى ما شفتها وكان يقصد الحوش القريبة منه. 
جرت استعدادات استقبال الحدث الكبير فى المدينة  التى أعيش بها وهو وصول الفنان محمد عثمان حسن وردى ليقيم حفلا ترفيهيا للطلاب السودانيين وكنت وقتها رئيسا لرابطة الطلاب بمدينة مانشستر الكبرى ، ومن يلف فى دوائرهم الضيّقة من بنات وأبناء الجاليات الاخرى.
انفرد بغرفة فى الطابق الأعلى من المنزل وأصدر اوامره وتوقيتاته الصارمة منها على سبيل المثال أوقات الراحة وأوقات الوحى والإلهام (التلحين). وما علينا الا السمع والطاعة ، ونجتمع على موائد الطعام. عند استقبالى له بمحطة بيكاديللي ، سكك حديد المملكة المتحدة سألته متى تناول اخر وجبة اجاب على الفور وبطرافته المعهودة ( انا تناولت وجبة من التركين قبل قليل وهذه تكفينى مؤونة يوم كامل فى بلادكم الباردة هذه ).  
أقام حفلا أسطوريا أمّه حجيج أيّما حجيج ، شى سودانيين ، شى افارقة ، شى عرب شرق أوسطيين واحباش وكانوا اى الاحباش يقولون لنا انه إثيوبي ضَل طريقه إليكم او قل هو احد بقايا حُكَّام مملكة أكسوم التى حكمت ارضكم بعد مملكة مروى . ومن بين عازفى فرقته شباب أنجليز على الساكسفون والات موسيقية اخرى ،  اولاد (يجيبو الشمس من وكر الأجل). 
كان دائماً يأكل مما يليه غير شره فى تناوله للطعام ويحب الاطباق السودانية الشعبية ( قراريص وتوابعها من اللواييق ). لا يميل الى الحديث اثناء تناول الطعام الا بالقدر اليسير. 
حكى لنا انه تعلّم العزف على آلة الطنبور فى بواكير صباه على يد مُعلّم اسمه عبد الوهاب من المناصير وحسب وصفه له انه رجل فارع الطول ينفرد بشارب مفتول اقل طولا من شوارب الفنان النعام آدم وفنجري كمان  وعند سماع اسمه (عبدالوهاب) فى راديو هنا ام درمان فى احدى لقاءات وردى شد الرحال الى الخرطوم لملاقاة القمر (عندما يولد فى الشرق القمر ، يترك الناس الحوانيت ويمضون زُمر لملاقاة القمر) ، استقبله وردى بمنزله بضاحية الكلاكلة واكرم وفادته. 

الحلقة التانية.
حلقات الانس كانت متنوعة وذات موضوعات ثرّة ومتجددة تجدُد الليل والنهار ( وردى وتثقيف الذات ) ، كان عليه الرحمة معجبا بأنطونيو قرامشى ومذكرات سجنه الشهيرة على ايام إيطاليا الفاشستية والتى تعتبر من أفضل إضافات الفكر السياسي فى القرن العشرين  والتى تاثر فيها قرامشى بمفكرين غير ماركسيين أمثال نيكولو ميكافيللي ، وجورج سوريل. وكان يرى اى وردى فى قرامشى انه اكثر ثورية وابعد نظرا من لينين.
دعانا الفنان التشكيلي الاستاذ احمد سيد احمد لامسية بداره العامرة دائماً لتناول طعام العشاء وفى ذيل دعوته كانت هناك عبارة والعاقبة عندكم فى الافراح والليالي المِلاح ولم ندرِ ان ليلته تلك كانت إحداهن. 
تجمّع حول هذا الساحر خليط من الناس ومن بين هذا المزيج نسوة تعرفن على بعضهن البعض فى احدى دور العبادة (كنيسة) بالقرب من مكان سكنهن وكُنَ فرحات تكاد تضيق الغرفة بهنّ من شدة الفرح (اظنه الفرح البعذِّب سيدو) بلقاء فنان افريقى فى سُمرة قارته الام. قُمن باداء بعض الترانيم ووردى من خلف يتطلّع.  
تناول وردى الحديث عن الترانيم التى غناها السيد المسيح وحوارييه فى طقوس الصلوات كما ورد فى العهد الجديد والتى تختلف عن المزامير الواردة فى زبور داوود وأضاف ان بعض هذه الترانيم يرجع تاريخها الى القرن الرابع الميلادي وما يزال يغنيها الرهبان فى الكنائس الكاثوليكية.وفى بدايات القرن السادس عشر مع مجيىء المجددين البروتستانت عملوا على احداث كثير من التغييرات الهامة منها ترجمات هذه التراتيل من الإغريقية واللاتينية الى لغات يفهمها عامة الناس وكتابة الترانيم بقوافي وإيقاعات  شعبية سهلة الحفظ والاداء. 
لقد دُهش الحضور من هذه الثقافة الموسيقية الواسعة وكان نموذج أغنية اقابلك فى زمن ماشى وزمن جايى وزمن لسع وإيقاعها الأقرب الى موسيقى الريقي بمثابة صحن الحِلو ال بعد العشا.   
ساله احد الحضور عن ألحانه هل ناتجة عن موهبة ام ان له تكتيكات يوظفها خارج هذه الموهبة الفذّة ؟ 
اعتدل فى جلسته ثم اجاب ان بعضا من شعرائه يكتبون شعرا مُلحّنا خارج إيقاعات الخليل بن احمد الفراهيدى ( ضابط إيقاع الشعر )  وأمثال هولاء يجعلون من الألحان مهمة ليست بالشاقة وضرب مثلا بالتجانى سعيد صاحب ديوان قصائد برمائية. وأضاف ان من تكتيكاته الخاصة بناء هيكل الايقاع الخاص بكل أغنية ( تُم تُم ، دليب ، جيرك ، دلوكة ، روك اند رول ....) ثم يقوم بطلاء الجدار بالالوان الزاهية والألحان الشجيّة وإذا هى تمشى بيننا جيلا بعد جيل
روى لى انه فى طريق  عودته من حفل أحياها فى مدينة كوستى مستغلا باخرة نيلية من هناك الى الخرطوم ( يا سُماعين هذا إبحار مع التيار ضد الأسكلا وحلا ). فى الدويم وأثناء وقوف الباخرة لإنزال بعض من ركابها وصعود اخرين جُدُد قرر ابو الورود النزول الى المُشرع لشراء مجلة هنا ام درمان وكانت المفاجاة قصيدة الطير المهاجر فى الصفحة الاخيرة من المجلة للشاعر صلاح احمد ابراهيم احد رواد مدرسة الغابة والصحراء الأدبية. عاد الى الباخرة وأطلقت الباخرة صافرة المغادرة. قرا وردى القصيدة عدة مرات وبالقرب من منطقة جبل أولياء كانت القصيدة لحنا سلسبيلا. 
تم توزيعها اخيراً اثناء وجوده فى امريكا فى استديوهات سونى بكاليفورنيا وكأنك تسمع ل جيمس لاست.

خاتمة
قضى بيننا اياما معدودة وترك فينا كنوزا من المحبة والذكرى ، تجولنا خلالها فيما يحمل من معارف ومواهب  وكانت الموسيقى والفن جوهرتا التاج. يقولون ان الموسيقى هى شفرة الطبيعة ووردى كان شفرة موسيقى السودان وبصمته للقارة الافريقية وخاصة حزام السافنا جامع المحيطين الهندى شرقا والاطلسى غربا. 
مع كل أغنية وكل لحن من ألحانه هناك رواية وحالة وجدانية خاصة. ذكرت له الشاعر محمد حسن دكتور أمسك بالعود وضع خده على الحافة ونقرش  
اماسى الغربة. 
يا اماسى الغربة فد يوم فرحينا 
شيلى دمعات الاسى وما توجعينا
يا اماسى الغربة كم فى الغربة بالآهات نقاسى 
ياما وصينا المسافرين كان يلاقوا عيون مراسى 
فى الهجير ... يمكن تلاقيهم ضفيراتهم شماسى
يا اماسى الغربة .... شيلى جرتق عديلنا 
 لى تراب بلدى سواقيها ونخيلنا 
للجزاير الواصلة خيرنا وفاصلة نيلنا 
وللحليوة الفى العيون ... كانت تلولينا وتشيلنا 
مهما طال يا شوق ... فيك غيابنا وليل رجوعنا 
وبرضوا راجعين للديار الحلوة ... تفرح لرجوعنا 
يفرشوا الحِبان رموشهم ... فوق دروبنا 
والأماسى الضايعة ... بتعود لرجوعنا 

نتلاقى عند الدايم.